توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا كلّ هذا «التاريخ»؟

  مصر اليوم -

لماذا كلّ هذا «التاريخ»

بقلم :حازم صاغية

تحكم السجالَ بين طرفين مختلفين مقدّماتٌ مشتركة ينطلق منها المتساجلان ويبنيان عليها قبل أن يفترقا. وفي الحالة التي نحن بصددها، يكون وجود البلد وحاضره بين تلك المقدّمات الضمنيّة. هكذا يدافع طرف عن اتّجاه سياسيّ واقتصاديّ، وعن تحالفات إقليمية أو دوليّة، يُفترض أن يتبنّاها ذاك البلد القائم ضمن حدود مسلّم بها، فيما يدافع الطرف الآخر عن اتّجاه وتحالفات مغايرة...

هذا كلام بديهيّ بطبيعة الحال، إلاّ أنّ غاية التذكير ببديهيّته تبيان مدى «اللابديهيّة» في أوضاع المشرق العربيّ، حيث ينطلق السجال من انعدام المقدّمات المشتركة، أو في أحسن الأحوال من ضعفها وهشاشتها. وحتّى حين تحظى تلك المقدّمات بنوع من الإقرار اللفظيّ، يتبيّن أنّ السجال ينطلق من مقدّمات أخرى ضمنيّة وغير مُفصَح عنها، أو أنّ المقدّمات المتّفق لفظيّاً عليها تملك تعريفين يكاد واحدهما لا يمتّ بصلة إلى الآخر.

ففي لبنان، مثلاً لا حصراً، هناك من يقول بـ»عروبة لبنان» مُسنداً إليها وعياً يتصدّره الصراع مع إسرائيل والالتزام بشروطه، فيما بات آخرون يقولون أيضاً بـ»عروبة لبنان» قاصدين بها العلاقات الاقتصاديّة العربيّة التي يرونها شرطاً لبحبوحته وازدهاره. وفي العراق، يعلن العراقيّون جميعاً أنّ العراق أولويّتهم، لكنّهم لا يلبثون أن يفترقوا حين يحدّدون من هم أصدقاء العراق ومن هم أعداؤه.

ومن علامات الاختلاف الشامل على المقدّمات هذا الانزياح المتعاظم الذي تعكسه السجالات نحو التاريخ، لا بوصفه حركة ووجهة، بل بوصفه ماضياً زمنيّاً مُختَرَعاً. فبحسب كثيرين، تقيم في الماضي أصول الأشياء التي تحكم التطوّرات اللاحقة، وهي أصول يراها عتاة الهويّاتيّين ثابتة وماهويّة لا تتغيّر. فمَن حكمَ عليه الماضي بسِمات ما، لا يمكنه في الحاضر، ناهيك عن المستقبل، أن يغدو شيئاً آخر. وهكذا يمسي الانزياح إلى التاريخ تأصيلاً للخلاف حول الحاضر يُكسبه جذوراً وهيكلاً عظميّاً.

فالتاريخ الذي استخدمه معظم الحركات القوميّة، ابتداء بالحركة القوميّة الألمانيّة، بوصفه أبرز مقوّمات وحدة الأمّة والشعب، هو نفسه الذي يُستخدم اليوم برهاناً على اختلاف غير قابل لأن يُرأب داخل هذين الأمّة والشعب. وعند التجميع كما عند التجزيء، يضاف الكثير من التاريخ المُختَرَع إلى القليل من التاريخ الفعليّ، مرّة للتدليل على حتميّة الوحدة ومرّة للتدليل على حتميّة الانفصال.

و»مؤرّخونا»، بالأصل، لم تجتمع الحقبتان والوجهتان فيهم. ذاك أنّ أولئك الذين رأوا في التاريخ أساساً للوحدة كانوا قوميّين عرباً، أبرزهم ساطع الحصري وميشيل عفلق، بينما المنشغلون بالجماعات ذهب جلّ اهتمامهم إلى جماعاتهم وما يُفترض أنّه تاريخها. هكذا هبّ دعاة التاريخ الأوّل في وجهة تخترع سلفاً مشتركاً يُفترض أن يتعرّف فيه البشر الأحياء إلى أنفسهم ويعملون على استعادته. لكنّهم هبّوا بعيداً من واقع البلد القائم، مهمومين بمفهوم آيديولوجيّ هو الوحدة العربيّة. وبدورهم أعلن دعاة التاريخ الثاني أنّ البلد القائم غلالة رقيقة مصطنعة تقيم تحتها مشاريع بلدان متوثّبة للقيام، مُظهّرين صفحات الحروب وصفحات التمايز بين الجماعات يوم لم تكن شعوباً وأمماً، ومُقدّمين الانفصال كأنّه استعادة للتاريخ الصائب.

وفي الحالات جميعاً فإنّ تاريخ الفصل والتجزئة كثيراً ما يتجانس مع ما تنتجه «الصحوات»، أكانت دينيّة أم طائفيّة أم إثنيّة، وهذه صاحية ومستنفَرة منذ عقود، كما يحضّ أحياناً على إعادة نظر بالأسماء، بحيث تتنافس «كوباني» و»عين عرب»، و»قامشلي» و»قامشلو»، و»جبل باشان» و»جبل الدروز» و»جبل العرب»... وبالطبع تستيقظ الأرقام والنسب المئويّة، وهي لم تنم مرّة، فتُوغل الجماعات الأقلّيّة، خصوصاً المسيحيّين، في حسابات الانخفاض المريع الذي شهدته أعدادهم، على مدى قرن، في بلدان المشرق جميعاً. وهذا ما يجعل مسألة «الذاكرة»، التي يكثر التنويه بها في أزمنة تُمحى فيها المعالم كزمننا، مسألة أشدّ تعقيداً من الشكل الذي غالباً ما تُطرح به. والذاكرة ليست واحداً موحّداً متّفقاً عليه بمعزل عن الصراع، بل هي مُلحقة به تنقسم تبعاً لانقسامه، إن لم يكن حيال وصف المحو والخراب فحيال تأويل الموصوف.

وهنا يكمن الانسداد الكبير الذي يجعل الحرب الأهليّة طريقة حياة لا حياة خارجها. فنحن انسحبنا، وننسحب، من الدولة إمّا لنُمركز التاريخ حول ما قبلها الذي لا عودة إليه، أو لنُمركزه حول ما بعدها الذي لا سبيل إليه.

وإذ يغدو الصراع، في جانب كبير منه، صراعاً على ذاك التاريخ، يفقد الكثير من الآراء السياسيّة وجاهته وفائدته. فما نفع أيّة حقيقة كتوكيد حصر السلاح في أيدي الدول، أو توكيد وحشيّة السلوك الإسرائيليّ، وما نفع تكرار تلك الحقائق مليون مرّة، حين يكون نفيها قد تصلّب وصار وظيفيّاً في تعزيز إحدى الروايتين للتاريخ؟ ذاك أنّه ما دام الخلاف القاطع في الماضي مطلوباً لتقوية الخلاف القاطع في الحاضر، صار الخلاف القاطع في الحاضر مطلوباً بوصفه، بين أمور أخرى، ما يرفع صدقيّة الخلاف القاطع في الماضي.

هنا نقف نحن، أمامنا الباب الموصد الذي لا يفتح إلاّ على نزاع نرعاه ونُديمه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا كلّ هذا «التاريخ» لماذا كلّ هذا «التاريخ»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt