توقيت القاهرة المحلي 08:31:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إنّنا نرى روح العصر قابعة في نفق!

  مصر اليوم -

إنّنا نرى روح العصر قابعة في نفق

بقلم:حازم صاغية

شهيرةً كانت عبارة هيغل حين لمح نابوليون على حصانه في مدينة يينا الألمانيّة عام 1806. فالإمبراطور الفرنسيّ بدا للفيلسوف الألمانيّ محتلّاً ينقل إلى ألمانيا «روح العصر» (Zeitgeist) كما أطلقتْها الثورة الفرنسيّة. هكذا رسم هيغل صورةً رأى أنّها تنقل ما اعتبره عصارة التاريخ لحظتذاك: «الروح العالميّة [تجلس] على صهوة حصان».

وإذا جاز لأهل المشرق العربيّ اليوم أن يرسموا صورة تنقل عصارة تاريخهم وواقعهم قالوا: «إنّنا نرى الروح العالميّة قابعة في نفق». فإسرائيل وحلفاؤها الغربيّون يسيطرون على سطح الأرض حيث قوّة الجيش النظاميّ وطاقته الناريّة ما يحسم المعارك. وهم يسيطرون أيضاً على الجوّ حيث الكلمة الفصل لسلاح الجوّ، وكذلك على البحر حيث اليد العليا للبوارج وحاملات الطائرات. ولأنّ عنف هؤلاء كبير واستعدادهم الإباديّ جاهز، لم يبق إلاّ الهبوط إلى النفق، طلباً للحماية من جهة، ومن جهة ثانية، لتوجيه ضربات مُباغتة بين وقت وآخر.

والحال أنّه بعد الحرب على غزّة، ولجوء قادة «حماس» إلى الأنفاق، صار النفق أحد النُصُب الدالّة إلى الحياة المعاصرة في غزّة. وأصلاً، كان ممّا يُعين على ذلك أنّ التدمير الإسرائيليّ، بتوحّشه المعهود، لم يترك على الأرض أشياء كثيرة يُعاش تحت أسقفها أو في شوارعها.

بيد أنّ خوض الصراع، انطلاقاً من الأنفاق، ينمّ عن معضلة يتضاعف حجمها لدى مقارنتها بالأهداف المضخّمة التي يعلنها ساكنو الأنفاق. فالاضطرار المفهوم إلى الاختباء، بعد التعرّض للطرد من الأرض والجوّ والبحر، يجعل الحديث عن انتصارٍ أمراً صعباً. فمن الأنفاق يمكن، في أحسن الأحول، الفوز بالسلامة الشخصيّة، أمّا إتيان الانتصارات فشيء آخر. وإلى هذا، فإنّ من يقبع في النفق لا يرى الشمس، والشمس هنا ترمز إلى أشياء كثيرة تشمل العالَم ومساراته وتحوّلاته. وهكذا، حين لا يحدث شيء «تحت الشمس» يكون الكون في جمود وتوقّف، وهذا مستحيل، أو يكون الناظر في غفلة عمّا يتعدّاه، وهذا ممكن.

وإلى تلك المعاني البائسة يضيف طول البقاء في النفق بؤساً أعظم، كما يضيف قلقاً يعزّزه أمران: أنّ استراتيجيّة بنيامين نتانياهو المجرمة هي تعريفاً إطالة أمد الحرب، وأنّ عمر الأنفاق المديد هو عمر قصير للبشر، خصوصاً أنّ ما من ملاجئ تُبنى لهم فتقيهم أهوال الجنود والمقاتلين. وفي آخر المطاف فإنّ ملجأ المدنيّ مضادّ لنفق المقاتل مثلما نفق المقاتل مضادّ لملجأ المدنيّ.

وكان الأدب والأسطورة قد أسبغا دلالات غير محمودة على مَن يقيم في النفق ثمّ يطلع منه فيبدو طالعاً من زمن سحيق أغبر. وفيما يقال اليوم إنّ تقرير مصائر الشعوب سيأتي من تحت الأرض، لا يملك واحدنا إلاّ أن يتذكّر لوحةً تعاونت الأسطورة والخرافة على رسمها، مفادها أنّ الشياطين والجنّ من تحت الأرض تأتي.

ولئن لم يكن جديداً بناء «حزب الله» للأنفاق، فإنّ افتخاره بها جديد، إذ يعلن «الحزب» الانتساب إلى النفق بوصفه مثلاً أعلى، جاعلاً النفق أحد النُصُب الدالّة إلى الحياة المعاصرة في لبنان، وربّما باقي المشرق أيضاً. وهنا يُراد قلب المعنى، تسويقاً للسلعة الكئيبة، بحيث يغدو النفق مكاناً شاملاً، غنيّاً ومضيئاً. فعبر «عماد 4»، تلتقي الميثولوجيا بالتقنيّات البصريّة الحديثة، مثلما يلتقي التهديد بالترفيه، والأعمالُ الخارقة للمقاتلين الأشدّاء بالأعمال التي تسلّي الأطفال وتخصّب مُخيّلاتهم. ومن المؤكّد احتفاظ الطبيعة بمكان مركزيّ. فالفيديو الذي استعرض مُنشأة «عماد 4» الواقعة «في باطن الجبال اللبنانيّة»، حمل عنوان «جبالنا خزائننا». وأوّل ما يُلاحَظ انبعاثُ الأدبيّات الرومنطيقيّة اللبنانيّة القديمة عن «جبالنا» و»تفتيت الصخر». غير أنّ المُنتَج الجديد يوقف الفولكلور اللبنانيّ على قدميه بعدما وقف طويلاً على رأسه (مع الاعتذار من كارل ماركس). وهذا إنّما جاء معطوفاً على المشهديّة الحربيّة التي عُرفت بـ»الهدهد»، والتي ذكّرتنا بالهدهد الأصليّ الذي كان دليل النبيّ سليمان في تعرّفه إلى الطبيعة، أمّا «مدن تحت الأرض» فأمرها يُترك للكرتون بأفلامه ومجلاّته، مثلما يُترك للتوجّس السيكولوجيّ.

بيد أنّ العنصر الوحيد الذي لا يتّسع له النفق هو السكّان المدنيّون. وما دام إنزال الشعوب للعيش في أنفاق أمراً مستبعداً حتّى اللحظة، بات النفق، بما فيه من حشرات ومياه مجارير وتلوّث ورطوبة، وعداً استراتيجيّاً هو أعلى مراتب الحياة الحميمة في بلدان المشرق. فالسياسة والاقتصاد والحرّيّات وعلاقات الجماعات في ما بينها ومصائر الأوطان المهتزّة...، هي كلّها طرق معبّدة إلى الأنفاق. وفي هذا المعنى، فإنّ «سِمة العصر»، بحسب التسمية الشيوعيّة الشهيرة، هي حصراً وحكماً ليست الانتقال من الرأسماليّة إلى الإشتراكيّة، لكنّها قد تكون انتقالاً من سطح الأرض إلى أنفاقها، أفراداً أو جماعات، خياراً أو اضطراراً. وهناك سوف نرفل طبعاً بحياة من السعادة الخالصة ومن الانتصارات المؤزّرة، يكفينا مجداً أنّنا لم نستسلم ولا نستسلم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إنّنا نرى روح العصر قابعة في نفق إنّنا نرى روح العصر قابعة في نفق



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt