توقيت القاهرة المحلي 17:06:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مرّة أخرى عن الذكرى الخمسين للحرب اللبنانيّة...

  مصر اليوم -

مرّة أخرى عن الذكرى الخمسين للحرب اللبنانيّة

بقلم:حازم صاغية

قبل أيّام، مع الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب اللبنانيّة، سطعت، من جديد، ثقافةُ التنصّل من المسؤوليّة عنها. وكان غيرُ كاتب ومراقب قد أشاروا إلى بعض تعابير تلك الثقافة التي لا يحول فسادها دون شيوعها.

فالحرب هي «الأحداث» أو «الأحداث المشؤومة» أو «الأليمة»، بحيث يُصار إلى التخفيف من هويّتها الحربيّة والتأكيد على أثرها الشعوريّ، فيما يُجهّل صانعوها الحقيقيّون. وفي هذا التغييب للذات الفاعلة تُجعل تلك الحرب أقرب إلى عمل من أعمال الطبيعة الغامضة حين تجنّ أو تهيج.

كذلك هي «حرب الآخرين على أرضنا»، وفق عبارة شهيرة تُعلنُنا أبرياء وضحايا استعملَنا «الآخرون» أو تلاعبوا بنا في لحظة من لحظات غفلة ألمّت بنا. ولا يخلو الأمر، والحال هذه، من السؤال أن يُلعن «مَن فعل بنا هذا». ومن الصورة تلك انبثقت لاحقاً صورة أخرى عن «الاحتلال الإيرانيّ للبنان». ولئن كان من البديهيّ الحديثُ عن دور إيرانيّ فاعل في تغذية الخراب اللبنانيّ، فهذا لا يعني «احتلالاً» معزّزاً بجنود إيرانيّين، احتلالاً يحجب الأدوار المباشرة للّبنانيّين أنفسهم. ومن هذا القبيل أيضاً ساد لعن الميليشيات الحزبيّة التي «جلبت علينا كلّ هذا الخراب». ومرّةً أخرى فإنّ جواز لعن الميليشيات، بل ضرورته، لا يلغيان أنّ تلك المجموعات المسلّحة كانت أذرع الطوائف في الحرب، تموّلها الطوائف وتحضنها فيما تتولّى هي الدفاع عنها، وأنّ شعبنا «الطيّب» و»البريء» اختار، تبعاً لتوزّعه الطائفيّ، أن يقدّس أربعة أو خمسة من قادة تلك الميليشيات.

ولم تتلكّأ الأدبيّات الأكثر أدلجةً عن هذه المهمّة. فبين آونة وأخرى كان اليسارُ الشعبويّ يحمّل مسؤوليّة الحرب إلى رأسماليّة بنت اقتصاداً غير منتج، بينما يحمّل اليمين الشعبويّ مسؤوليّتها إلى «يسار دوليّ» يوصف بتآمر لا يكلّ على لبنان. وبالطبع ظلّ الأدب السقيم، وهو بالأحرى إنشاء مدرسيّ، يدلي بدلوه فيتّهمَ أشراراً وشياطين عبثوا بأحلامنا وذاكراتنا، مستنكفاً عن كلّ تسمية أو تعيين...

وأمّا المشترك بين تلك الصياغات جميعاً فهو تجنّبها مراجعة حقيقة الحرب، وتالياً عدم مواجهتها المسؤوليّة الذاتيّة عمّا جرى ولا يزال بعضه جارياً. فقليلون هم الذين قالوا بوضوح إنّ مصدر الحرب الأوّل هو ذاك الصدع العميق الذي يضرب الوطنيّة اللبنانيّة، وعدم الاتّفاق حولها الذي ترجع أصوله إلى بدايات تشكّلها. فنحن غير متّفقين على تعريف اللبنات الأساسيّة للاجتماع الوطنيّ، كـ «الوطن» و»الشعب» و»العدوّ» وسواها من المفاهيم. وإنّما من ثقوب هذا الصدع الضخم يتسلّل «الأشرار» الخارجيّون أو «الرأسماليّة الجائرة» أو «اليسار الدوليّ» أو «الاحتلال الإيرانيّ»، كائناً ما كان المقصود بهذه المصطلحات...

والحال أنّ انقضاء خمسين عاماً على الإنكار يقول كم أنّ هذا الإنكار شعبيّ وموضع إجماع، لا سيّما أنّ تلك الأعوام الخمسين أتاحت بضع لحظات توفّرت فيها فُرصٌ للمراجعات الصريحة، لكنّ ما صدر منها كان قليلاً جدّاً ومتأخّراً جدّاً.

والراهن أنّ أكثر من دافع واحد يحرّك ذاك الإنكارَ، في عدادها نرجسيّةٌ متضخّمة تأبى الإقرار بانبثاق الشرّ منها، وخوف الظهور، تحت تأثير الحداثة ومعاييرها، بأنّنا «غير متمدّنين»، لا نليق بالأوطان ولا تليق بنا، وأنّنا قد نشبه ماضي أوروبا لكنّنا حكماً لا نشبه حاضرها. وكان ممّا أتت به تلك الحداثة، ثمّ طوّرته الحركات القوميّة بإفراط ومبالغة، أنّ الشعوب لا بدّ أن تكون عظيمة، فضلاً عن كونها بريئة، وأنّها حين تخطئ، أو لا يسعفها الحظّ، فإنّها لا تكون إلاّ ضحيّة ظالميها والطامعين بها. إلاّ أنّ الجماعات، وإن تحدّثت عن نفسها بوصفها شعوباً وأمماً عظمى، لا تواجه المسؤوليّة الناجمة عن رفضها التحوّلَ إلى شعوب ودول – أمم، وعن إحجامها عن تغليب هذه الصفة على الصفات الأدنى من طائفيّة وإثنيّة وسواهما.

بيد أنّ المواظبة طوال خمسين عاماً على إنكار المشكلة الفعليّة، وإنكار أنّنا نحن مَن يصنعها، إنّما تنمّ عن أنّنا لا نريد فعلاً تذليلها لأنّنا لا نريد الاستقالة من مهمّتنا كصانعين لها. فقد نسعى إلى التغلّب على بعض نتائجها المُرّة التي لا يُحتمل العيش معها، لكنّ حلّها بتفادي تكرارها يبقى شيئاً آخر يقارب الخيال.

لقد رأى مالكولم كير، الدارس الأميركيّ للشرق الأوسط، أنّ الحرب اليمنيّة في مطالع الستينات كانت الحرب الأهليّة العربيّة الأولى في العصر الحديث. والمؤكّد أنّ الحرب اللبنانيّة كانت الحرب الكبرى الثانية في زمن ما بعد استقلالات العالم العربيّ. ولا يزال البلدان المذكوران، كلٌّ بطريقته، يعيشان انقسامهما الصامت أو الصارخ. وها هي بلدان عربيّة متكاثرة العدد تسجّل أسماءها على لوائح الشرف الدمويّ التي يرصّعها كلام كثير عن «الأهل» و»الإخوة» و»الأخوّة»، وطبعاً عن «مؤامرات الاستعمار على أمّتنا» التي لا تنضب ولا يدركها التعب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مرّة أخرى عن الذكرى الخمسين للحرب اللبنانيّة مرّة أخرى عن الذكرى الخمسين للحرب اللبنانيّة



GMT 08:05 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

أضاليل إسرائيل والأضاليل عنها

GMT 07:33 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

في انتظار صافرة البداية ووقف الحروب

GMT 07:29 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

في يوم قائظ

GMT 07:18 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

بلير... محاولة لإنقاذ حزب العمال

GMT 05:33 2026 السبت ,30 أيار / مايو

أمريكا وخطايا ترامب

GMT 05:31 2026 السبت ,30 أيار / مايو

قضية المناخ المنسية

GMT 05:29 2026 السبت ,30 أيار / مايو

طاقية الإخفاء ؟!

GMT 05:26 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt