توقيت القاهرة المحلي 00:15:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في انتظار «الأنبياء الكذبة»!

  مصر اليوم -

في انتظار «الأنبياء الكذبة»

بقلم :حازم صاغية

في المراحل الانتقاليّة الكبرى، حيث الأمور لا تستقرّ على حال، والغموض والقلق سيّدا المواقف، وحيث يبدو العقل عاجزاً عن التعقّل، منشدهاً بتلك الخلائط الغريبة والمستغرَبة المنتشرة في الأمكنة جميعاً، تشيع ميول طالعة من الخرافة، أو من الزيف، مثلما يكثر الزاعمون أنّهم يستطيعون رؤية ما لا يُرى.

والأديان، وهي تحوّلات كبرى في التاريخ وأطواره، لم تقتصد في التحذير من هذه الظاهرات. فمع «العهد الجديد»، في المسيحيّة، نبّه المسيح تلاميذه ورُسله غير مرّة من الأنبياء الكذبة ومن المسيح الدجّال، وكثيراً ما حضّ المؤمنين على اليقظة حيال أغراضهم ونواياهم. فهؤلاء يوصلون إلى البشر رسالة ليس الله مصدرها، بل تتعارض مع توجيهاته. أمّا الرسالة تلك، وإن خاطبت رغبة وشغفاً إنسانيّين، فإنّ ما ينجم عنها لا يعدو كونه «ثماراً فاسدة».

وقبل المسيحيّة، روى «سِفر الملوك» قصّةً يصف فيها النبيّ ميخا اللهَ وهو يسأل مرشدين سماويّين عمّا ينبغي فعله بمجلس الأنبياء الكذبة. ذاك أنّ «زمن القضاة» ذاك اشتُهر بفوضى روحيّة ترك الشعبُ فيها يهوه وراح يناشد الأوثان ويتعلّق بها، مثله مثل الشعوب الوثنيّة المجاورة.

وبعد المسيحيّة، مع الإسلام، حيلَ دون النبوءات الزائفة وأصحابها، إذ النبيّ محمّد خاتم الأنبياء. هكذا وُصف مُسيلمة بـ«الكذّاب»، وحظي بأوصاف مشابهة أولئك الكثيرون الذين شاركوه مزاعمه إبّان «حروب الردّة».

وشهد تاريخ سائر الحضارات ظاهرات كهذه. ففي فلورنسا القرن السادس عشر مثلاً، ظهر الراهب الدومينيكانيّ جيرولامو سافونارولاّ الذي وقعت المدينة في قبضته بعد طرد آل مديتشي منها، وهم صانعو نهضتها العظيمة. وأعلن سافونارولاّ نفسه رسولاً من الله فيما أراد تحويل المدينة إلى «أورشليم الجديدة»، مُحرقاً و«مطهّراً بالنار» الكتب والمخطوطات والرسوم والمجوهرات وكلّ الأشياء الثمينة التي افترض أنّها تشي بعتوّ أصحابها وتكبّرهم.

وفي عهد السلطنة العثمانيّة ظهر ساباتاي زيفي، خلال القرن السابع عشر، مدّعياً أنّه المسيح، قبل أن يدّعي اعتناق الإسلام. أمّا جماعة الدونمة التي اتّبعته فتزامنت نشأتها مع أوقات حرجة كانت تمرّ بها الدولة العثمانية، ومع محاكم التفتيش واضطهاد اليهود في أوروبا، وهو ما أشاع بينهم فكرة قدوم «المسيح المنتظر». وكما نعلم، صار زيفي والدونمة من أبطال اللاساميّة العربيّة والإسلاميّة المستجدّة، ومن ثمّ مادّة دسمة لنظريّات المؤامرة.

كذلك في روسيا، حين كان العهد القيصريّ يتداعى، أعلن نفسه الصوفيّ الدجّال غريغوري راسبوتين رجلاً مقدّساً واندسّ في عائلة رومانوف بوصفه الطبيب الذي ينقذ الطفل أليكسس، نجلها ووريثها، المصاب بالناعور.

وهذه ما هي إلاّ عيّنات قليلة عمّا تفعله الأزمنة المجنونة بالبشر وبالعقل. وثمّة اليوم غير سبب للقول إنّنا في زمن مجنون. فالانتظارات، بالبريء منها والمصنوع، تصطدم بعوالم غرائبيّة كعالم إيلون ماسك وزملائه من روّاد التقنيّة العليا، فما إن تتراجع الدهشة قليلاً حتّى يلوح عالم آخر، وسِخ وعنصريّ ومنتفخ الذكوريّة، يتربّع في صدارته جيفري أبستين وجزيرته، طارحاً الأسئلة حول تداخل السياسة والثراء والعلاقات العامّة وحول صلة السياسة نفسها بالأخلاق. ومن مكان ثالث، هو بلداننا، ينفجر الميل إلى تبرئة الذات وتطهيرها عند مَن يجزمون بأنّ أموراً كهذه لا تحدث «عندنا» و«في ثقافتنا الأصيلة»، وأنّ «الغرب الرأسماليّ» مسرحها الحصريّ.

وقبل أن تندمل الجروح التي فتحتها جائحة كورونا مُظهِرةً لبشريّةٍ مُعتدّة بقدراتها أنّها هشّة، وأنّها تتعولم في هشاشتها بأسرع ممّا تتعولم في عناصر قوّتها، يزداد ضعفنا حيال فرز الحقيقة عن نقائضها. فبعد «ما بعد الحقيقة» المدجّجة بطاقة التواصل الاجتماعيّ في تزييف الحقائق، تأتي ثورة الذكاء الاصطناعيّ فتضاعف، رغم كلّ فضائلها، ذاك الضعف، وتكرّس القلق المتراكم والمزمن حيال انعكاس التقدّم العلميّ على البشر ثراءً وسعادةً. وإذ يقال لنا بكثرة وبإفراط إنّ التنوير لم ينوّر والحداثة لم تحدّث، ومع مسائل الهويّة الجنسيّة المتفاقمة والمُبلبِلة، تعتاش أخبار العالم على «الفضيحة» و«الصفقة» والاعتداد بتعابير عنصريّة فظّة ومشاريع بيولوجيّة مزعومة عن تحسين النسل. وفيما الفرد المعاصر يغرق في عزلته، تجثم على صدر الكون صور قياميّة عن المجازر في غزّة والسودان وسواهما، وتُعلمنا الأرقام أنّ قتلى الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة وضحاياها باتوا يقاربون المليونين. وإذ يتبدّى عجز البشر حيال بيئة تهدّد مساحات هائلة الضخامة بالتصحّر واستحالة الحياة، تعود أوروبا، جوهرة العالم، إلى التسلّح والإنفاق على الجيوش بعدما ظُنّ لعقود أنّها طوت تلك الصفحة وغدت واحة للسلام. ومع انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»، آخر ما تبقّى من معاهدات نوويّة بين الولايات المتّحدة وروسيا، تعود إلى الصدارة المخاوف المشروعة من سباق تسلّح مفتوح.

فنحن بالتالي أمام قفزات هائلة إلى الوراء تخترق القفزات الهائلة إلى الأمام وتتحدّاها، وأمام حقبة انتقاليّة تسير متثاقلة نحو مجهول لا تزعم القدرةَ على فكّ أحاجيه إلاّ نظريّات المؤامرة.

والنفق يبدو طويلاً، ولا يلوح في آخر النفق بصيص. والعالم اليوم هكذا، ينتظر الأنبياء الكذبة والدجّالين من كلّ صنف يهطلون عليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في انتظار «الأنبياء الكذبة» في انتظار «الأنبياء الكذبة»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt