توقيت القاهرة المحلي 00:57:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحرير رغيف الخبز!

  مصر اليوم -

تحرير رغيف الخبز

بقلم - عبد المنعم سعيد

ما إن تفتح موضوع دعم رغيف العيش، إلا وسوف تستمع إلى محاضرة طويلة حول مركزية رغيف «العيش» للإنسان المصرى، الذى كما هى العادة فى مثل هذه الأمور يصير حالة خاصة، لا تسبقه سابقة، ولا تلحقه لاحقة. سوف يتم التأكيد على أن «العيش» كرغيف يعنى «الحياة» بالنسبة للمصريين؛ ولا بأس من طرح حكمة تقول «عض جيبى ولا تعض رغيفى». وفى كل الأحوال لن يكون المستمع مستعدًا للتساؤل عما إذا كانت هناك دول أخرى فى العالم تتبنى مثل النظام الذى اتبعناه لأن المقاطعة فى الكلام سوف تأتى بأن المصريين، وخاصة فى هذا الموضوع، لا يشبههم شعب آخر. وبغض النظر عن التفاصيل والألفاظ المستخدمة، فإن خطاب رغيف العيش لن يختلف أبدًا عن الخطب السابقة فى كثير من الموضوعات التى شكّل فيها المصريون حالة استثنائية، من أول نسبة النصف فى المائة للعمال والفلاحين فى المجالس المنتخبة، وامتحانات الثانوية العامة، وتعدد أسعار صرف الجنيه، وإيجارات المساكن القديمة وغيرها من أمور تركز على أن ما يسرى على كل شعوب الأرض لا يسرى علينا. كانت النتيجة دائمًا هى أن تبقى الأمور على ما هى عليه، أو هكذا يريد القوم لأن هناك خوفًا قوميًا من المجهول والجديد ومن تبعية لعالم مختلف إما متخلفًا عنّا ولا نريد الهبوط إلى هاويته، أو راقيًا بالنسبة لنا يرتفع حتى يخدش وجه السماء، وهو فى هذه الحالة ليس منّا.

 

مثل هذا الخطاب يتضمن دائمًا نوعًا من التهديد الخفى بأن التغيير سوف يعنى نتائج وخيمة على صاحب الاقتراح والدولة فى مجموعها، ولا بأس هنا من التذكير بمظاهرات الخبز التى جرت فى ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧.

الحقيقة هى أنه مهما كانت «الخصوصية» التى يجرى الحديث عنها، فإن الواقع المصرى قد تغير عن هذه الحالة الاستثنائية المفروضة على شعب مصر. تجربة السنوات الثمانى الماضية تشهد أنه من الممكن أن تكون العملة المصرية مثل كل العملات الأخرى فى العالم، وأن الإنسان المصرى ليس مغرمًا كثيرًا بالعشوائيات وأنه يمكن أن يعيش فى مناطق حديثة ورحبة، وهو ممتعض امتعاضًا شديدًا من نظام الثانوية العامة ولذلك يبحث لأولاده عن نظم أخرى، كما أنه قام باختراع وسائل خاصة لتملُّك السكن جعلت فى بر مصر ملايين الشقق الجديدة. التجربة التى عشناها خلال هذه الفترة تقدم الشهادة على أن المصريين يريدون أن يكونوا جزءًا من عصرهم، يستلهمون روح التقدم من حيث تأتى مع ثقة كافية فى النفس تجعلهم يعرفون أن بصمتهم التاريخية سوف تظل لامعة. وجزء من هذا العصر يعرفه المصريون جيدًا، وهو أنه منذ وحّد «مينا نارمر» القطرين، وربما قبل ذلك بآلاف السنين، عرف المصريون أنواعًا كثيرة من الخبز، صنعوه كثيرًا من الشعير، ومن الذرة، ومن القمح؛ وخلقوا منها أشكالًا رائعة من «البتاو» و«العيش الشمسى» ورقائق الخبز التى تؤكل مسكرة ومالحة. قبل تأميم الخبز وتولى الدولة أمره فى عقد الستينيات من القرن العشرين، ومنذ فجر التاريخ، ظل الخبز قضية عائلية تخص الأسرة المصرية. الأكبر عمرًا من المصريين يعرفون جيدًا كيف كانت تُدار عملية «الخبز» و«الخبيز» فى مصر، وكيف كانت خلطة الدقيق مع الخميرة تعطى من رائحة زكية وشبع. ومَن عاشوا فى الريف المصرى خلال الخمسينيات يعرفون جيدًا أن رحلة رغيف الخبز كانت تبدأ من الحقول عندما يتم جنى الذرة أو القمح، ويجرى غسله، ثم بعد ذلك يذهب إلى المطاحن التى كانت قريبة، ثم يخرج منها وقد جرى تصنيفه أنواعًا ممتدة من الأكثر بياضًا حتى «الردّة»، وكلها كانت لها أشكالها من الخبز والحلوى.

 

 

فى حديث قريب لدولة رئيس الوزراء، د. مصطفى مدبولى، شارحًا تمويل عمليات التنمية الجارية، أوضح أنه عندما تم رفع دعم الطاقة جرى توفير ١٣٠ مليار جنيه ذهبت جميعها إلى المشروعات التنموية المصرية.

كان الاختيار هنا هو مستقبل مصر كدولة قوية وعفِيّة ومتقدمة وعصرية بدلًا من راحة مؤقتة لنفط رخيص على المواطن، ولكنه يُبقى كل الأمور على ما هى عليه من فقر. ذات الأمر حدث فى مجالات شتى، فلم يكن مشروع قناة السويس الجديدة واكتتاب المصريين فيه لصالح زيادة تنافسية القناة فقط، وإنما تنمية محور القناة كله، ولا تحتاج البرهنة على ذلك أكثر من زيارة لمنطقة على بُعد ساعة واحدة من القاهرة. تحرير رغيف الخبز من التحكم الحكومى هو تحرير للاقتصاد المصرى وإطلاق للطاقات الكامنة فيه كما حدث حتى الآن فى كل عملية تحرير للثروات المصرية نقوم بها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحرير رغيف الخبز تحرير رغيف الخبز



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 20:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي
  مصر اليوم - دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:36 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

نصائح لتحويل مكتبك المنزلي إلى بيئة صحية ومنتجة

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 18:56 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

مدفيديف يحرز لقب كأس الدرعية على حساب فونيني

GMT 11:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أخطاء شائعة تجنبيها عند شراء المجوهرات

GMT 21:53 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الشواطئ والمناظره الطبيعية لقضاء شهر عسل في قبرص

GMT 05:57 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

طريقة إعداد وتحضير الدجاج بحليب جوز الهند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt