توقيت القاهرة المحلي 23:41:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من الفتح إلى التوازن الاستراتيجي

  مصر اليوم -

من الفتح إلى التوازن الاستراتيجي

بقلم: عبد المنعم سعيد

مصر خلال تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت على «الفتح الاستراتيجى» الذى يتيح لها علاقات إقليمية ودولية متميزة، حيث ساهمت فى إنشاء جامعة الدول العربية، ودخلت حرب فلسطين الأولى رغم التحفظات فى مجلس الشيوخ والوزراء، وهى الحرب التى كانت بداية حروب امتدت إلى أخريات (١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٦٩/١٩٧٠، ١٩٧٣) مضاف لها حربا فى اليمن، والتورط فى عدد من الصراعات الإفريقية مساندة أو مشاركة حتى حرب تحرير الكويت. كان لهذه المرحلة بحلوها ومرها ظروفها الخاصة والتى يستحسن تركها للمؤرخين، ولكن الأمر المهم هنا أن التركيز الداخلى على بناء الدولة فقد الكثير من قوة الدفع والعنفوان، بل ونمت مدرسة كاملة فى السياسة الخارجية المصرية قوامها أن «الفتح الاستراتيجى» يدعم عملية التنمية المصرية، بما حصلت عليه مصر من منح ومعونات ومكانة فى النظام الإقليمى والدولى. ووقف وراء هذه «الاستراتيجية العليا» تصور جاء فى كتاب «فلسفة الثورة» للرئيس جمال عبد الناصر الذى تصور ثلاث دوائر تتحرك فيها السياسة الدبلوماسية المصرية وهى: العربية والإفريقية والإسلامية؛ وعالميا سعت مصر لكى تشكل كتلة ثالثة فى العلاقات الدولية تبنت سياسات عدم الانحياز والحياد الإيجابى ومجموعة الـ٧٧ فى الأمم المتحدة.

كانت هزيمة يونيو ١٩٦٧ نقطة فاصلة فى التاريخ المصرى من حيث كشفها عن التفاوت ما بين القدرات والإمكانيات المصرية الفعلية؛ والتوسع الضخم فى الأهداف المصرية الدولية والإقليمية. ورغم الإنجازات التى أحرزتها مصر فى حربى الاستنزاف (١٩٦٨-١٩٧٠) وحرب أكتوبر ١٩٧٣ وتحريرها لكامل التراب الوطنى بعد معاهدة السلام مع إسرائيل فإن مصر خرجت من التجربة منهكة، وكانت مظاهرات الخبز عام ١٩٧٧ واغتيال الرئيس السادات ١٩٨١ مؤشرا على هذا الإنهاك واعتراضا على عملية الإصلاح التى حاول الرئيس السادات القيام بها من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادى. ومن مفارقات هذه المرحلة أن حرب أكتوبر غيرت الكثير من موازين القوى الإقليمية عندما رفعت أسعار البترول التى سرعان ما أعطت الدول الإقليمية، عربية وغير عربية، قدرات كبيرة تجاوزت ما لدى مصر من إمكانيات، وبدأ ميزان القوى يتغير فى المنطقة.

حاولت مصر خلال عقد التسعينيات من القرن الماضى والعقد الأول من القرن الحالى أن تقوم بعمليات إصلاح جادة، ولكن التردد والبطء والخوف من اتخاذ القرارات الصعبة أدى إلى حالة من «الانكماش الاستراتيجى» التى جعلت مصر تنسحب من مجالات إقليمية ودولية كثيرة دون أن يصاحب ذلك صلابة فى الإصلاح الداخلى وبناء عناصر القوة المصرية. نتيجة ذلك كان أولا حالة من الخلل الإقليمى الكبير الذى ترتب عليه «الربيع العربى» الذى كانت «ثورة يناير ٢٠١١» المصرية، وتبعاتها حتى «ثورة يونيو ٢٠١٣» من أهم سماتها.

وثانيا أنه نتيجة هذا الخلل الاستراتيجى أن الدول الإقليمية– إيران وتركيا وإسرائيل- انتهزت الفرصة وأخذت فى مد توسعاتها فى النفوذ والأرض؛ ومعها فإن القوى الدولية الأخرى خاصة روسيا والولايات المتحدة تدخلت هى الأخرى. وثالثا أن الفراغ الذى نجم عن الخلل الكبير فى الإقليم أنتج كيانات سياسية من غير الدول، تمثلت فى حركات سياسية عابرة للحدود مثل جماعة الإخوان المسلمين والقاعدة و«داعش» التى نجحت فى خلق دولة «الخلافة الإسلامية» على الحدود العراقية السورية، والتى نجح تحالف دولى متعدد الأطراف فى تدميرها. هذه الكيانات ولدت العديد من الكيانات الأخرى المنشقة والتى كانت جميعها ذات طبيعة إرهابية ومثلت تهديدا للدول العربية، خاصة الدولة المصرية.

ثورة يونيو ٢٠١٣ أدخلت مصر مرحلة جديدة فى سياساتها الخارجية وحماية أمنها القومى تبدأ من حقيقة أن البناء الداخلى وبناء عناصر القوة هو حجر الأساس فى حماية مصر وتحقيق أهدافها الاستراتيجية فى تعبئة البيئة الخارجية لدعم الداخل المصرى. والحقيقة الثانية أن التركيز على البناء تواكبه سياسات خارجية تقوم على التعاون والحد الأدنى من الاشتباك فتحافظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل، وتدير قضية المياه مع إثيوبيا بحيث لا تقود إلى صراع وإنما إلى عمل مشترك، وإذا كان ضروريا كما هو الحال مع ليبيا فإن القوات المسلحة تستخدم بحزم وحساب ولإرسال الرسائل أن مصر قادرة على استخدام القوة عندما تقتضى الحالة. هنا فإننا نجد الحركة المصرية النشطة تقتصر على الحدود المباشرة لمصر مع فلسطين وإسرائيل فى الشمال الشرقى، ومع ليبيا فى الغرب، ومع السودان وإثيوبيا وإريتريا فى الجنوب. هذه كلها تمثل القضايا المباشرة التى تتعلق بالأمن القومى المصرى، وفيما عداها فإنها تلتصق بعمليات البناء الداخلى، ومن ثم كانت هناك اتفاقيات تخطيط الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية التى فتحت أولا أبواب الاستغلال المصرى للمنطقة الاقتصادية الخاصة بها فى البحر الأحمر؛ وثانيا أبواب تعمير سيناء؛ كما كانت اتفاقية تخطيط الحدود البحرية مع قبرص التى قادت إلى تنمية حقلى «ظهر» و«نور» للغاز،

والتعاون فى منطقة شرق البحر المتوسط فى نقل وتسييل وتصنيع الغاز على الأرض المصرية. وإذا أخذنا كل ذلك مع تنمية إقليم قناة السويس فإن مصر تصير مركزا إقليميا للطاقة. «التوازن الاستراتيجى» المصرى بين الداخل والخارج خلال مرحلة البناء الراهنة يعطى الفرصة لمصر لم تتوفر لها خلال عقود ماضية حيث كانت العيون على الخارج تفقد الداخل مركزيته ومحوريته.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الفتح إلى التوازن الاستراتيجي من الفتح إلى التوازن الاستراتيجي



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt