توقيت القاهرة المحلي 05:40:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

  مصر اليوم -

إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

بقلم: عبد المنعم سعيد

مضى عقد ونصف العقد على نشوب ما عُرف بعنوان «الربيع العربي»؛ ورغم أن أحداثاً جسيمة جرت في الإقليم العربي فإن كثيراً من أصولها جاءت بذرتها الأولى أثناء تلك الفترة المشتعلة في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ثمن «الربيع» كان فادحاً في جوانب متعددة، ولكنه مثلما جرى لأوروبا بعد الثورة الفرنسية من حروب نابليونية وارتجاج في الواقع الأوروبي فإن ردود الفعل خلقت ثورة إصلاحية قامت على تبديل النظم السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. ورغم أن معظم المشابهات التاريخية غير محكمة، فإن الاتفاقية الأوروبية التي بدأت عام 1814 وحتى 1914 لوقف الحروب بين قوى أوروبا العظمى، يمكن أن يفيد تحليل الأمن الإقليمي العربي حيث تعددت أشكال الثورات منذ نشوب الثورة الإيرانية في 1979، والانتفاضة الفلسطينية في 1987 و2000، حتى الأشكال المختلفة من «الربيع العربي» منذ 2011. كل هذه «الثورات» صاحبتها الثورة الصناعية والتكنولوجية الثالثة في مجالات الاتصالات والمعلومات التي اجتاحت العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين مسببة عولمة الأفكار والقيم وأنماط الحياة. ولم يكن العالم العربي بعيداً عن هذه التطورات، فمع التغيرات الديمغرافية الهائلة بما فيها من قفزات سكانية، وارتفاع نسبة الشباب فيها، فإن الإقليم أصبح واقعاً تحت ضغط انفجار الدول، والقيم. هذه الضغوط ما لم تتم إدارتها والتحكم فيها تقُد إلى انفجار الدول والمجتمعات التي تشتعل فيها الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، وكما حدث بالفعل في الصومال والسودان وليبيا واليمن وسوريا والعراق.

إن الشرق الأوسط والعالم العربي في قلبه إقليم معقد يتحدى بطبيعته الأفكار البسيطة. ومن المفارقة أن كثيراً من الأفكار التي جرى تداولها تمت استعارتها من التجربة الأوروبية في حل الصراعات، وصنع السلام، والتكامل الإقليمي. كل هذه الأفكار كان هدفها صنع السلام بخاصة بين الدول العربية وإسرائيل، والعمل من أجل التكامل الإقليمي، والتحديث في دول الإقليم في الوقت نفسه. كل هذه الأفكار كانت ثقيلة على إقليم يعاني من جراح تاريخية، وآيديولوجيات سقيمة، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي. وكانت نتيجة كل ذلك المزيد من الدول «الفاشلة»، والحروب، والتفكك، والتراجع التنموي بالمقارنة بالأقاليم السريعة النمو في العالم.

في هذه المرحلة من التغيير السريع بخاصة مع حرب غزة الخامسة لا بد من العودة إلى لوحات التخطيط للعلاقات الإقليمية والدولية؛ حيث نجد أمرين لهما أهمية خاصة: الدولة والقوة. إن أهم مثلين للنجاح في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة كانا معاهدتي السلام المصرية - الإسرائيلية، والأردنية - الإسرائيلية. هذه المعاهدات صمدت أمام اختبار الزمن وحرب غزة الأخيرة لسبب أنها ثبتت في يد الدول وقادتها المعبرين عن احتياجات ومصالح دولهم. بالإضافة إلى عمليات سلمية أخرى لم يكن فيها فاعلون من الدول، وإنما مؤسسات حاولت إحضار النموذج الأوروبي في السلام والتكامل، ولكنها في المرحلة الراهنة بات «النموذج الأميركي» الذي يقوده الرئيس دونالد ترمب هو السائد بعد حرب غزة الخامسة واستمرارها لأكثر من عامين.

إن واقع الشرق الأوسط يتجسد في أمرين؛ الأول: أن الإقليم مقسم بين هؤلاء الذين يريدون السلام والاستقرار اللذين هما شرطان للتنمية وجزء مهم من عمليات إصلاحية عميقة في دول الخليج والأردن ومصر والمغرب والجزائر وتونس؛ وهؤلاء الذين يعارضون السلام والاستقرار بسبب التاريخ أو الدين أو عدم الرغبة أو وجود المصلحة في التنمية. والثاني: أن هناك حرباً صريحة أو ضمنية تجري بين الطرفين تشنها الميليشيات العسكرية الخارجة على إطار الدولة. إن العمل الأساسي في المنطقة الآن هو تشجيع الدول على أن تصل إلى السلام اعتماداً على نفسها مع حرمان القوى الراديكالية من إفساد هذا الجهد. مثل ذلك هو عمل من أعمال القوة عندما تعرف بطريقة تجعلها أكثر من استخدام القوة العسكرية. إن منظومة من القوى لتحقيق الأمن الإقليمي يمكنها أن تشجع، وتغري، وتضغط، وتواجه إذا كان ذلك ضرورياً القوى المتعددة لعدم الاستقرار في المنطقة. ومن أمثلة هذه المنظومة قيام القوات المسلحة لدول التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية بوضع نهاية لحدوث الفوضى في البحرين عام 2011. وجاء مثال آخر عندما قامت دول عربية بمساعدة مصر في المرحلة التي تلت ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013. كذلك عملت مصر والسعودية على حل أزمة غزة في يوليو (تموز) 2014 وما تلاها من أزمات غزة ولبنان. إن ما يحتاجه الإقليم الآن هو منظومة من القوى لا تأخذها أفكار براقة ولامعة، وإنما رؤية واقعية وتفهم أن إقليماً فاشلاً ومفككاً سوف يكون أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إصلاح ما بعد «الربيع العربي» إصلاح ما بعد «الربيع العربي»



GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

GMT 03:51 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هاني شنودة وزمن سعاد

GMT 03:50 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عودة للشواطئ القديمة!

GMT 03:48 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تفاوض بأدوات الحرب

GMT 03:46 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

واقعية الرئيس الإيراني

GMT 03:45 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

بُشرى نهائي المونديال

GMT 03:43 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (11)

GMT 03:42 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حالة مصرية خاصة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt