توقيت القاهرة المحلي 17:53:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أنماط الدولة الوطنية

  مصر اليوم -

أنماط الدولة الوطنية

بقلم - عبد المنعم سعيد

الدول مثل الأفراد تتمثل في أمور مثل وجود الأمور الثلاثة المعتادة: الإقليم والشعب والسلطة السياسية؛ ولكنها تختلف في كل شيء آخر. فلا توجد دولة تتطابق مع دولة أخرى في وضعها «الجيوسياسي»، وكما يقال إن الإنسان لا يختار والديه، فإنَّ الدول لا تختار جيرانها بحراً كان أو براً. وما يجعل الدولة فريدة في العصر الحديث هو نوعية «القومية» التي تحتويها، إذ تضع هذه الحالة «شخصية» للدولة ونوعية تركيبها ليس فقط الجغرافي، وإنما مع ذلك التاريخي والثقافي أيضاً.

هذه السمات الأخيرة تخلق الكثير من «الأكواد» و«الميمات» و«الشفرات» التي تجعل في النهاية التمايز بين الأمم والدول منطقياً. فالحقيقة أنه جغرافياً لم يكن البريطانيون بعيدين كثيراً عن الفرنسيين بأكثر من مسافة ماء بحر المانش بين «كاليه» و«دوفر»؛ ولكنّ السمات القومية لدى البلدين مختلفة، إذ جرى غزلها ونسجها عبر عمليات تاريخية مختلفة. في بريطانيا كان للتاج البريطاني دور كبير في نسج الحالة «الإنجليزية» بما فيها من استقرار سياسي وحكمة في فترة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس أو في فترة الدولة التي لا تطيق كثيراً البقاء تحت المظلة الأوروبية. فرنسا كانت هي التي لعبت دوراً أساسياً في تركيب الرابطة الأوروبية لأنها لم تتخلص من «التاج» فقط، وإنما فوقه نوع من التمرد الذي جاءت به الثورة الفرنسية التي كان على نابليون أن ينشر روحها وقوانينها ما بين باريس وموسكو. ألمانيا حاولت في زمن «هتلر» أن تجعل هويتَها مرتبطة بالعنصر «الآري» وترسيم سموّه، لكن المحاولة كانت في النهاية فاشلة وما نجح كان الحاجة الألمانية إلى الاتحاد الذي جعلها واحدة من المتأخرين، مع إيطاليا، في بناء القومية الخاصة بها على يد ميترنيخ ومانزيني. الوحدة والتركيب هي التي جعلت ألمانيا مصممة على إعادة دولتها مرة أخرى بعد تقسيم الحرب العالمية الثانية؛ ومعها أن تكون الحارسة على بقاء الاتحاد الأوروبي حتى ولو استدعى الأمر تطويع التمرد الفرنسي، والزهو الإيطالي في إطار موحَّد ليس بالقومية، ولا بالتقسيم؛ وإنما بمشروع تاريخي فلسفي وحضاري ربما يعود إلى اليونان في قِدمه.

أوروبا بالتأكيد ليست موضوعنا وإنما ما جرى للدولة العربية، وهروب الفكرة القومية منها إلى اتساعٍ كبيرٍ عربيّ النزعة، أو اتساع أكبر إسلامي الهوى؛ وفي أحيان، وبديلاً عن الاتساع كان الضيق في تمنيات طوائف ومذاهب دينية. في اللغة باتت «الوطنية» نوعاً من التخصيص القومي للدول العربية لم تنشأ فقط من الحدود التي تركها الاستعمار أو الغزوات الأجنبية، وإنما لأنه في حالات كانت نتاج قيادات إمارات وملوك، وباختصار عروش امتزجت فيها هوية تاريخية للقيادة. لم يكن الأمر من حيث الشكل مختلفاً عن الحالة البريطانية ليس فقط في وجود التاج حتى ولو اختلف الاسم، وإنما في وجود وحدة ما بين السلطة والدين أو مذهب فيه. هذا النموذج للدولة «الوطنية» والموجود في منطقة الخليج العربي هو الذي صمد في وجه ما سُمي «الربيع العربي»، إذ كان الاستقرار والوحدة أقوى بكثير من دعوى التفكك. وأكثر من ذلك كان الإدراك حازماً حينما ظهر أن دولة خليجية تعرضت لاختبار قاسٍ، فكان التدخل حازماً أن الفوضى والانشقاق هي خارج الإطار الوطني لكل دولة على حدة. الالتفاف حول العرش استمر في حالتَي الأردن والمغرب لبقاء الدولة الوطنية التي ثبت أنها أكثر ترابطاً من كونها ظاهرة «جغرافية» نجمت عن تقسيمات استعمارية.

الجمهوريات وحدها نسجت وطنيتها حول أصول تاريخية، ولما كان المشرق العربي مجمعاً للطوائف والجماعات الدينية، فإن «الوطنية» كانت خافتة، ولم تنجح الجذور الأموية لدمشق في أن تنقذ سوريا من حرب أهلية، ولا لبنان وطبيعتها الفريدة من حروب أهلية بعضها موجود في العلن والآخر في السر.

العراق ربما يخوض الآن معركته الوطنية التي انصهرت بالويل الصدّامي، وسلسلة حروب باتت فيها ذكريات الشقاء ذاكرة مشتركة، ويرى نفطه طريقاً مشتركاً لخلاص الجميع. ولكن التجربة لا تزال في أولها، وهي كذلك تقف أمام التجربة الفلسطينية التي حصلت على معاناتها في تواريخ من الانقسام المكلَّل بالعنف، في مواجهة قوة صهيونية جذبت أطرافها من العالم كله لكي تخلق دولة قومية على أرض فلسطين. وإذا كان السودان هو عراق وادي النيل، وليبيا هي سوريا في شمال أفريقيا، فإن تونس والجزائر جرت فيهما مشابهات بناء دول وطنية متميزة، ونعم «قومية» مشروع حداثي لدى الأولى جاء مع الاستقلال، وتاريخ نضالي جاء مع الثانية، وجعل ثورة المليون شهيد جذوة وطنية لا تنضب في وجه تحديات كثيرة.

مصر كانت دوماً حالة خاصة، وفي تجربتها المعاصرة كانت هي الدولة التي دخلت إلى جحيم «الإخوان» وخرجت منه بعد عام واحد. جمال حمدان كان هو الذي كتب في وقت مبكر عن شخصية مصر؛ ومن قبله كان هناك تاريخ حداثي طويل تطور على مهل بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين عرف الثورات الناعمة التي انتقلت من نظام إلى آخر بمرونة ويسر؛ وفي وقت سجل ميلاد حنا سبعة أعمدة للوطنية المصرية بحيث فعل التاريخ لديه ما فعلته الجغرافيا لدى حمدان من قبله في التنظير والتقطير. الآن والخاتمة تقترب فإن العالم العربي في تقسيمه «الوطني» الخاص بكل إقليم ينقسم بين هؤلاء الذين لديهم مشروع حداثي إصلاحي، وهؤلاء الذين لا تزال «الثورة» ضاربة فيهم بالفوضى حتى بات التماسك الوطني بعيداً. وفي وقت من الأوقات كُتب مقال، ونُشر كتاب، في لبنان، عنوانه «حبيبتي» فيه كثير من الحنين لأول جذور الدولة، حيث الأمن والنظام والقدرة على العمل الوطني في وطن واحد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنماط الدولة الوطنية أنماط الدولة الوطنية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt