بقلم: عبد المنعم سعيد
خلال تاريخها القصير كانت الولايات المتحدة تعرف طريقها، وساعدها فى ذلك آلات فكرية عملاقة ممثلة فى الجامعات ومراكز البحوث وجماعات للمصالح تطحن بعضها بالكتابة والكلام حتى يظهر طريق من نور تمضى وراءه أمريكا بحيث لا يبقى للحزبين ــ الديمقراطى والجمهورى ــ إلا الخلافات حول براجماتية السياسة. وفى القرن الحادى والعشرين، وبعد فترتين من إدارة جورج بوش الابن كان ما عرفته أمريكا أنها لم تكن على الطريق السليم، أو أن الطريق كان سليما ولكن ثمنه فادح، والأهم فإن تكلفته هائلة ولا قبل حتى للولايات المتحدة الأمريكية به، أو هو هذا وذاك معا. وكان ذلك هو الحيرة بعينها حيث لا تبقى فكرة واحدة واضحة وجلية، وحتى عندما جرى التصور أن انتخاب باراك أوباما سوف يهدى أمريكا إلى الطريق القويم فإن الرجل على فصاحته كان مركبا ومعقدا إلى الدرجة التى تجعل السياسة مستحيلة.
وبدون السياسة بمعنى POLICY فإن الدول تبقى محتارة بين طرق لا يعرف منها من يقود إلى السلامة أو الندامة أو إلى حيث لا يرجع أحد. والمعنى العملى لذلك هو أن أحدا لا يعلم عما إذا كان واجبا على الولايات المتحدة أن تستخدم مزيدا من القوة العسكرية أو تقلص منها، فإذا زادت فإن الكل يعرف أنه لم يكن هناك حل عسكرى للقضايا التى كانت معلقة فى أفغانستان أو العراق؛ أو كل أماكن العنف الأخرى التى يزدحم فيها أنواع مختلفة من الأصولية فى شمال اليمن أو الصومال. أما إذا قلت القوة العسكرية أو انسحبت فإن قوة عالية بلا أسنان لا تصبح قوة على الإطلاق، ولايوجد فى كل الأحوال كما قال نزار قبانى ذات يوم فى قضية أخرى أنه لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار! ولاية لترامب ثم أخرى لبايدن جعلت الانسحاب من الشرق الأوسط قضية أمريكية؛ ولكن ولاية ثانية لترامب جعلت الولايات المتحدة متورطة فى الإقليم كما لم يحدث من قبل.