بقلم: عبد المنعم سعيد
وصلت إلى مطار «أوهير» فى «شيكاغو» عصر يوم 29 سبتمبر 1976 بادئا رحلتى إلى الدولة التى احتفلت قبل عام بمرور مائتى عام على مولدها. وما بين هذا الاحتفاء، والاحتفاء الجارى الآن فإن الدولة الأمريكية لم تكف عن السير فى «الحالة البندولية» التى تنتقل فيها بين المثالية الشديدة، والواقعية التى لا تقل شدة. ليس سهلا أن تكون دولة عظمى فى حالة من الحيرة حول ما يجب عمله، وعندما تكون الدولة هى العظمى الوحيدة فإن الأمر يزداد صعوبة. تعبيرات مثل « القوة العظمى الوحيدة» أو «القوتين العظميين» أيام وجود الاتحاد السوفيتى، أو «تعدد الأقطاب» فترة ما بين الحربين، تشير إلى نظرة هرمية للقوة وقدرات التأثير والنفوذ على مستوى الكوكب. يمثل ذلك التنظيم الحقيقى للعلاقات الدولية، أما المنظمات الدولية، وحتى القانون والمحاكم العالمية فإنها تمثل ساحات لممارسة علاقات القوة بعد إعطائها غطاء ومسحة من القانون وأحيانا الأخلاق.
وطوال تاريخها القصير كانت الولايات المتحدة تعرف طريقها فقد اختارت العزلة طوال القرن التاسع عشر خلف المحيطين الهادى والأطلنطى عندما كان «السلام البريطانى» مهيمنا على البحار والقارات. وعندما كسرت العزلة خلال الحرب العالمية الأولى كانت بداية الطريق لمنع قوة مهما كانت من السيطرة على القارة الأوروبية. وفيما بين الحربين كانت واشنطن تعرف أنها باتت قوة عظمى، ولكنها انتظرت حتى جاءت الحرب العالمية الثانية لكى تعلن ذلك بوضوح. وبعد الحرب كان الحديث بين واشنطن وموسكو هو الحديث «الجدى» فى العلاقات الدولية، يتحدان أحيانا على قيام إسرائيل أو إفشال العدوان الثلاثى على مصر، ويختلفان فى معظم الأحوال بعد ذلك فى شكل أزمات تفرغ شحنات التناقض بين عملاقين أو صراعات يدفع ثمنها أطراف ثالثة. وبعد انتهاء الحرب الباردة عندما أسقط حائط برلين واسقط الاتحاد السوفيتى كان المثقفون الأمريكيون هم من أعلنوا نهاية التاريخ؛ ولكنهم كانوا أيضا من اكتشف بعد ذلك «صراع الحضارات» الذى يعمق التاريخ الذى مضى، والتاريخ القادم أيضا. يتبع