توقيت القاهرة المحلي 09:57:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الملهاة «الفيسبوكية»

  مصر اليوم -

الملهاة «الفيسبوكية»

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

مثل «التضخم» و«الجائحة» وما أشبه أصبحت الشكوى من «الفيسبوك» ووسائل التواصل الاجتماعى عامة ظاهرة عالمية فى تعقيدها وما حققته من ارتباك لوسائل نقل المعرفة والاتصال فى العالم كله.
ولكن كالعادة فإن ما يصيب الدنيا من أمور تقلبها الشعوب والأمم ما بين السلبى والإيجابى فإنها لدينا تكون خطيرة ومنذرة ومهددة أيضا ليس فقط للنظام العام، وإنما أكثر من ذلك للوحدة الوطنية، تستغلها قوى معادية وخصوم ترى ما يجرى فى مصر من إصلاح مناوئا لمصالحها. وللأسف أنه فى الوقت الذى يسير فيه التقدم المادى سريعا ومتابعا لما يحدث تكنولوجيًّا فى الدول المتقدمة الأخرى، فإنه كما يحدث فى كل ما يتعلق بالقيم والوعى بصفة عامة، يعكس حالة من البدائية والتخلف والنضج المتعثر الذى يزدهر فى المجتمعات النامية.

ومن عجب أنه بعد ظن ساد أن وسائل التواصل الاجتماعى سوف تساهم فى ازدهار المعرفة، وخلق حالة من التواصل الكثيف والمباشر، وزايد كتاب على أنها سوف تصير مفتاحا للديمقراطية المباشرة؛ فإنها فى الواقع باتت صداعا فى معظم دول العالم المتقدم لما تسببه من ضوضاء وتشويش على القضايا الجوهرية. ولكنها فى دول العالم النامى خاصة حيث النخبة السياسية عاجزة عن خلق الوفاق العام تتسبب فيما هو أكثر على طريق الحرب الأهلية أو الانقسام القومى وفض الوحدة الوطنية، وانتشار الجهل والشعوذة، وحالات من التربص والمطاردة والمراقبة والضوضاء والضجيج الكلامى.

القصة بسيطة فى روايتها ولكنها معقدة فى دلالاتها، ومربكة فى نتائجها، وتدور حول الأستاذ إبراهيم عيسى، أحد أهم المثقفين والمفكرين والإعلاميين فى مصر الآن، وهو يلقى بدلوه استنادا إلى عمل دراسى دؤوب للوثائق والمخطوطات، ويخرج بنتائج فكره إلى الرأى العام من خلال نوافذ صحفية وتليفزيونية وسينمائية أيضا. واثق من نفسه طوال الوقت، ورائق فى تحديد خطوط التماس معه، والأسوار الشائكة حوله، وكل ذلك بلغة عربية فصيحة مليئة بالمترادفات وقدر غير قليل من خفة الدم، والمعرفة الكثيفة بالفنون والآداب.

المعركة الكبرى التى اختارها أولها البحث عن الحقيقة فى التاريخ الوطنى فى كتبه الأصلية وفك الارتباك والتعقيد بين التراث والتقدم؛ وثانيها بالمعنى الحديث فإنه فى ذاته يشكل جبهة كبيرة فى المواجهة مع الإخوان المسلمين وأذنابهم من الجماعات الراديكالية التى تحالفت فى مواجهة المشروع الوطنى الجارى. التداخل ما بين المعركتين يسير فى خطوط متوازية من حيث الأدوات، كتب أو برامج أو أفلام، ولكن نهاية كل منها تشكل إضافة معرفية للفكر العام مفعمة بقدر كبير من الوهج والدراما الموجعة لمن يقاوم مواجهة الحقيقة.

قبل فترة قصيرة وفى برنامجه «حديث القاهرة» تحدث عن أحد الموضوعات الأثيرة لديه والحاكمة فى الخريطة الذهنية التى يعطيها لمشاهديه وقرائه، بأنه ليست الأمور فى الدنيا فقط حمالة أوجه، وإنما هى أكثر من ذلك موضوع لاختلاف المفكرين والفقهاء. وكما هى العادة فى ازدحام الكثير من الأمثلة، مشيرا إلى وجود تعدد فى الآراء والتقديرات المتعلقة بعدد من المسائل طرح واحدة منها قصة «المعراج» المعروفة لدى كل المسلمين عن رحلة النبى محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء. لم يكن هناك فى القص إنكار، ولا قليل احترام، إن هناك مثلا من أمثلة عددها، على تعدد الآراء والرؤى فى حدث لا يختلف أحد على أهميته فى الرواية والذكر.

المفاجأة التى تلت كانت انفجار الحالة «الفيسبوكية» مع وسائل التواصل الاجتماعى الأخرى المصرية، وتلتها العربية، بأن ما قاله كان إنكارا لرحلة «الإسراء والمعراج» النبوية، وتلاها اتهامات تراوحت بين ما هو رفض ما هو معلوم فى الدين بالضرورة، والكفر البواح. لم يكن الأمر يحتاج أكثر من استطلاع على «اليوتيوب» للتعرف على ما ذكر على وجه الدقة.

ولكن «الفيسبوكية» الإعلامية تحركت كما علمنا الراحل القدير الدكتور حامد ربيع عن «الظاهرة الجماهيرية» التى تتولد وتنتشر تبعا للغرائز والتقليد، فتكون الأكاذيب حقائق لأن هناك عليها توافقا جماهيريا. كانت الظاهرة عميقة إلى درجة أن أحد زملاء المهنة طلب عرض الموضوع على مجلس النواب، وتحدث آخر عن واجبات المجالس الإعلامية فى مواجهة المروق على الملة، وبلغت الكارثة ذروتها عندما تحول الموضوع كله إلى البحث الرخيص فى كل ما هو خاص عن الأستاذ إبراهيم عيسى. لم تعد هناك قضية فكرية، وإنما دخلت الملهاة إلى حالة تصفية حسابات طويلة.

والحقيقة أن القضية لم تعد عن الأستاذ إبراهيم عيسى وإنما عن الحالة الجمعية المصرية، عندما تجرى الحوادث على الطرق ويصمم السائقون على عجلة القيادة فى السيارات، والمشاهدون من نوافذ الحافلات العامة، على مشاهدة الواقعة والدماء أحيانا حتى ولو تعطلت كل الطرق. تكرار الملهاة «الفيسبوكية» فى المشهد العام المصرى، وعدم القلق إزاء غياب التحقق من الوقائع والاتهامات من مؤسسات وشخوص عامة، يدعونا إلى ضرورة وجود المؤسسات التى تكون مهمتها الكشف الفورى والسريع عن حقيقة الموضوعات والأرقام.

أثناء الانتخابات الأمريكية وما يجرى فيها من مناظرات بين المرشحين، فإن المحطات التليفزيونية المختلفة تجهز فريقا كاملا من الذين يأخذون كل معلومة يذكرها المرشح ويجرى التأكد منها فى بنوك المعلومات والمعرفة، والعودة السريعة للمشاهد حتى يتأكد من حقيقة أو زيف المعلومة. فى مصر احتاج الأمر أسبوعا كاملا حتى تتبين الحقيقة فيما ذكر عن المعراج من وجهة نظر عن آراء مختلفة ومتباينة فيما يخص قضية من القضايا. كان التكفير والمروق سريعا بينما جاءت البراءة بطيئة وزاحفة بعد أن لم يلفت نظر أحد اصطفاف من لا يجب اصطفافهم حول رأى، بدا أن الجماعة الإخوانية مصممة أن تجعل من الأكذوبة قضية رأى عام.

هل يمكن أن ندعو الأستاذ الفاضل كرم جبر إلى أن يكون المجلس الأعلى للإعلام هو النافذة المطلة على الحقيقة ومواجهة الأكاذيب، من خلال جهاز بحثى إعلامى يقوم بمهمة فض الملاهى «الفيسبوكية» بشكل سريع وفورى يطل على الرأى العام بالحقائق. هنا فإن البحث توجد أدواته فى بنوك المعلومات والإحصاء المتعددة، كما أن استجلاء الأمر فى قضية تشغل الرأى العام من جهة مسؤولة يضيف إلى رصيد الثقة بالمؤسسات والشخصيات العامة. هل يمكن لمراكز البحوث الإعلامية والسياسية أن تقوم بهذه المهمة، وتمنع العبث السياسى الذى تقوم به وتستغله جهات لا تريد لمصر ولا لجبهتها الوطنية خيرا ولا وحدة. نحن لا ندعو هنا إلى إنشاء جهاز للمراقبة ولا التقييم الأخلاقى أو لإبداء الرأى، وإنما كما يقال التأكد من الحقيقة أو Fact Checker على ما يذكر من معلومات بسيطة ومجردة وإذاعتها على الجمهور المصرى. الموضوع ليس حادثة ما قاله الأستاذ إبراهيم عيسى، وإنما مواجهة ملهاة إساءة استعمال وسيلة تكنولوجية لامتهان وتجريس والإساءة لسمعة شخصية عامة أو قضية عامة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الملهاة «الفيسبوكية» الملهاة «الفيسبوكية»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt