توقيت القاهرة المحلي 06:00:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإحساس في كلام عبّاس

  مصر اليوم -

الإحساس في كلام عبّاس

بقلم:مشاري الذايدي

في كلمته المُسهبة أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، برام الله، هاجم الرئيس الفلسطيني محمود عباس «حماس» أكثر من مرة لأنها سبب استمرار مجزرة غزّة وقال إن «شعبنا يخسر كل يوم مئات الضحايا بسبب رفض الحركة تسليم الرهائن». ثم انفعل قائلاً بالعامية: «يا أولاد (...) سلّموا الرهائن (الإسرائيليين) اسحبوا ذرائعهم وخلّينا نخلص».

تابعتُ الخطاب كلّه، ولم أكتفِ بما اقتطفته نشرات الأخبار والسوشيال ميديا، فلاحظت أن عبّاس، الرجل المخضرم في القضية الفلسطينية، كان غاضباً وصريحاً، ليس فقط بخصوص «حماس»، بل بكل القضايا التي تناولها.

لكن بالعودة إلى «أدب الشتائم» في السياسة وخارج السياسة، فهو إرثٌ قديم وحافلٌ، لم ينحصر على أمّة دون أخرى، ويكون هذا السلاح في حروب السياسة، إما مُعدّاً عن سابق تصميم وتخطيط، أو يخرج فجأة، بسبب نوبة غضب، كأي إنسان.

من أذكى وأقبح وأطرف ما قرأتُ في «أدب الشتائم» ما رُوي عن داهية السياسة البريطانية، ونستون تشرشل، فقد شتمته سيّدة من حزب العمّال واتهمته بأنه كان مخموراً في مجلس العموم البريطاني، فردّ تشرشل: «أنتِ قبيحة، وستبقين كذلك طول العمر، أمّا أنا فسأفيق من السكر، وستبقين قبيحة مهما حاولتِ».

أمّا أدبنا العربي فقد احتفى بأدب الشتيمة، ومن ذلك المقامة الدينارية الشهيرة لبديع الزمان، حين تنافس الإسكندري، مع خصمه فيمن يكون أقبح وأبلغ شتماً، حتى يظفر بالدينار العجيب!

فقال الإِسْكَنْدَرِيُّ لخصمه: يَا بَرْدَ العَجُوزِ، يَا كُرْبَةَ تَمُّوزَ، يَا وَسَخَ الكُوزِ، يَا دِرْهَماً لا يَجُوزُ، يَا حَدِيثَ الْمُغِّنينَ، يَا سَنَةَ الْبُوسِ، يَا كَوْكَبَ النَّحُوسِ، يَا رَمَدَ العَيْنِ، يَا غَدَاةَ الْبَيْنِ، يَا فِرَاقَ المُحِبَّيْن، يَا سَاعةَ الحَيْنِ يَا مَقْتَلَ الحُسَيْنِ يَا ثِقَلَ الدَّيْنِ... إلخ.

وردّ المنافس: يَا قَرَّادَ القُرُودِ، يَا لَبُودَ اليَهُودِ، يَا نَكْهَةَ الأُسُودِ، يَا عَدَماً فِي وُجُودٍ، يَا دُخَانَ النِّفْطِ، يَا صُنَانَ الإِبْطِ، يا أفْضَحَ مِنْ عَبْرَةٍ، يَا أَبْغَى مِنْ إِبْرَةٍ، يَا مَهَبِّ الخُفِّ، يا مَدْرَجَةَ الأَكُفِّ، يَا كلِمَةَ لَيْتَ، يا وَكْفَ البيْتِ، يَا كَيْتَ وَكَيْتَ... إلخ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشامٍ: فَوَ اللهِ مَا عَلِمْتُ أَيَّ الرَّجُلَين أُوثِرُ؟! وَمَا مِنْهُما إِلاَّ بَدِيع الْكَلاَمِ، عَجِيبُ المَقَامِ، أَلَدُّ الخِصَامِ، فَتَرَكْتُهما، وَالدِّينَارُ مُشاعٌ بَيْنَهُمَا، وانْصَرَفْتُ وَمَا أَدْرِي مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمَا.

إذن فإن الشتيمة قد تكون في بعض الأحيان لوناً بليغاً من البيان، يختصر الكَلام بشفرة الكِلام، ويبدو أن الشيخ عبّاس سئم من كثرة الحكي فيما لا حصيلة منه، فأبلغ وأوجع وترك الخلق جرّاها يختصمون.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإحساس في كلام عبّاس الإحساس في كلام عبّاس



GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

GMT 05:58 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مفاجأتان من الصين

GMT 05:55 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

ليبيا والسودان... الحظ العاثر

GMT 05:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

المنطقة تعيش رهينة الشهرين

GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt