توقيت القاهرة المحلي 14:54:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غوتيريش وزمن «الكسر الكبير»

  مصر اليوم -

غوتيريش وزمن «الكسر الكبير»

بقلم - إميل أمين

كثيراً ما تندرت الأقلام على موقع الأمين العام للأمم المتحدة، انطلاقاً من أنه رجل مهمته «الإعراب عن قلقه» وليس أكثر من ذلك.

غير أن في خطاب السيد غوتيريش أمام الجمعية العمومية هذا العام، بدا أن للرجل في الحق ألف حق، حين يعبّر عن قلقه المتحول مخاوف جذرية تتهدد مستقبل البشرية، من غير استثناء.

ليس لدى السيد غوتيريش قوات مسلحة ذات طبيعة خارقة، يمكنه من خلالها أن يغير حال العالم إلى الأفضل؛ ذلك أن المؤسسة الأممية في أول الأمر وآخره، شأنها شأن أي تنظيم دولي، لا قيمة له إلا بمقدار ما يتنازل له الأعضاء الكبار فيه عن جزء من سيادتهم، وعن بعض من قوتهم، لتكون من ذلك مشيئة لها قدرة ونفوذ على فرض الحقائق المتسقة مع مقتضيات العدل، والذي يجب أن يكون أساساً للشرعية الدولية.

ما يملكه غوتيريش هو «صوت صارخ» في «برية العولمة»، والتي تكاد تتفكك وتتفسخ؛ ولهذا استخدم تعبيرات موجعة جداً حين وجّه خطابه للرؤساء، ورؤساء الوزارات، والملوك والوزراء ممثلي دول العالم، في كلمته.

«استيقظوا واتخذوا الإجراءات اللازمة الآن... قبل أن تصل الإنسانية إلى مرحلة الكسر الكبير».

هل كان سيد «البيت الزجاجي» واقعياً أم مغالياً في تقديراته التي سلطت الأضواء على عالم معتل ومختل؟

واقعي مائة في المائة، من غير تهوين أو تهويل؛ ولهذا السبب يمكن القطع بأن هناك فترة انتقالية مدتها عام، تبدأ من نهاية أعمال هذه الدورة، وتنتهي بحلول الدورة القادمة للجمعية العمومية، 2024، والتي ستحمل عنوان «قمة المستقبل».

خلال هذا العام، سوف يتوجب على أصحاب العقول الراجحة، والضمائر الصالحة، التفكر والتدبر في عالم يموج بالصراعات على مختلف الصعد، عسكرياً واقتصادياً، اجتماعياً وتكنولوجياً.

يكاد الراوي أن يحدثنا عن رؤيته لـ«مارس إله الحرب»، وهو يضحك بملء شدقيه، من حروب عبثية تنتقل من موضع إلى آخر مجاور، وخلف الباب شهوة آثمة تتطلع للتسيد على العالم؛ ما يعني أن شبح الحرب، بات يهدد أجواء السلام.

كم هي رقيقة وراقية، كلمة السلام، تبعث في النفس الطمأنينة، وتستجلب للروح السكينة، لكن من أسف، يحتاج السلام إلأى قوة تحققه، ولا تكفي لإدراكه، الرغبات أو البيانات والخطب الرنانة، كما لا تفلح معه الرايات الفاقعة، ولا تجدي تجاهه الأصوات الزاعقة، ولطالما تحكمت البراغماتية الاقتصادية، والنرجسية غير المستنيرة، في مسارات العالم المالية، ومساقاته الاقتصادية، فإن أغصان الزيتون لن تظهر في فم «حمامة نوح» من جديد.

غوتيريش محق إلى أبعد حد، لا سيما بعد أن أظهرت الأوبئة القاتلة، كما في حال «كوفيد - 19»، حالة الازدواج الأخلاقي التي تعمّ الكوكب الأزرق، لا سيما بعد أن حصلت الدول الغنية أولاً على اللقاحات لمواجهة الجائحة، في حين تُركت الدول الفقيرة على طرقات الوباء تنتظر من يتعطف ويحنو عليها.

تظهر هشاشة عالمنا في مواجهة ثورة الطبيعة مؤخراً، والتي فضحتها الكوارث المناخية من زلازل وأعاصير، وبينما الخليقة «تئن وتتمخض»، وعلى عتبات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 28»، لا يبدو أن هناك من يفكر بعزم أو يعمل بحزم، لمجابهة تحديات المناخ.

كما أن الوفرة والرفاهية، ناهيك عن الثراء الذي توافر للكثير من الدول الغنية، جميعها مهددة بالزوال والاضمحلال من وراء التضخم والديون العالمية، لا سيما التي تراكمت فوق أعناق الدول الفقيرة والنامية، وبخاصة في ظل عدم مقدرة الأخيرتين على السداد.

هل عالمنا بالفعل معرّض للخطر الساحق الماحق، بعد أن بات الشلل قريباً منه، ومعالم الطريق المسدودة تتجلى في الأفق، ضمن خلل عالمي هائل؟

هذا ما يبدو في الانتظار، كمقدمة للكسر الكبير القادم لا محالة، بعد أن باتت شعوب وأمم الكرة الأرضية غير قادرة على الاتفاق، ومغلبة مجاهل الافتراق.

فلينظر القارئ إلى التفاوت المتزايد بين الشمال الأكثر ثراءً، والجنوب الأعمق فقراً، وما بينهما لا تتسع فقط الفجوة الحياتية من منطلقات اقتصادية، بل تتعمق الهوة الحضارية والثقافية، والأمر عينه يكاد ينسحب على العلاقات بين الشرق والغرب؛ ما يفتح أبواباً واسعة تتدفق منها مشاعر الكراهية ورفض الآخر.

تبدو مهلة العام المقبل، والتي تستبق «قمة المستقبل» فرصة ذهبية للتفكير العميق في النوازل الكفيلة بإحداث قفزات في تاريخ البشرية، ومن آياتها، عالم الذكاء الاصطناعي التقليدي منه، ثم الفائق الوصف القادم لا محالة، ضمن عصر الميتافيريس وابتكارات ما أنزل الله بها من سلطان.

هذه القفزة ستضحى وبلا شك سردية غير مضمونة العواقب، بأوجهها الإيجابية الخلاقة من ناحية، ومثالبها المرعبة على الجانب الآخر من شاطئ المخترعات.

والشاهد، أنه وإن لم يتعرض غوتيريش لحديث التهديدات النووية، تلك التي أفرد لها خطابه من المنبر نفسه عام 2017، إلا أن هذا الخطر الداهم، لا يزال يمثل كابوساً جاثماً على صدر العالم، وبخاصة في ظل حالة «اللايقين» التي تلف الحرب الروسية - الأوكرانية.

لم يوفر الأمين العام للأمم المتحدة التساؤل حول مستقبل المنظمة الأممية؛ إذ وصفها بأن الوقت لا يسير في صالحها، في حين أن الحقيقة المؤكدة هي أن العالم الآن في حاجة إلى تفعيل مقدراتها أكثر من أي وقت مضى.

الكسر الكبير قراءة للتاريخ وليس قراءة في فنجان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غوتيريش وزمن «الكسر الكبير» غوتيريش وزمن «الكسر الكبير»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt