توقيت القاهرة المحلي 08:52:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»

  مصر اليوم -

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»

بقلم:إميل أمين

تمر هذه الأيام ستة عقود على صدور الإعلان المجمعي الشهير «Nostra Aetate» أو «في حاضرات أيامنا»، والذي أعلنه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965) في الفاتيكان، مؤذناً بفجر جديد للعلاقات بين أتباع الأديان التوحيدية، وبداية مسيرة تصالحية مع النواميس الوضعية.

جاءت هذه الوثيقة ممثلة لاتجاه فكري وروحي مثّل الخروج من دائرة استبعاد الآخر والدخول من ثم في دينامية الاعتراف بوجود «شعاع من الحقيقة ينير كل البشر»، وبمعنى آخر الانعتاق من فكرة حيازة جماعة بشرية بعينها لما يعرف بـ«الحقيقة المطلقة»؛ فالكل لديه قبس من نور إلهي كفيل بأن ينير خطاه عبر رحلة الحياة على الأرض.

تقر وثيقة «في حاضرات أيامنا» في توطئتها أن كل الشعوب جماعة واحدة ولها أصل واحد؛ لأن الله تعالى هو الذي أسكن الجنس البشري بأسره على وجه الأرض كلها، ولهم غاية أخيرة واحدة، وهي الخالق جلّ اسمه، الذي يشمل الجميع بعنايته.

تتجاوز دعوة الوثيقة فكرة الحوار النظري المجرد؛ إذ تفتح أعين أصحاب التوحيد على الأسئلة الجوهرية التي لا يزال الإنسان معها سائراً حائراً، فالبشر من مختلف الملل والنحل ينتظرون إجابات عن الألغاز الخفية التي لا تزال تشغل عقولهم، ويسعون معاً في مواجهة ومجابهة نوازل الحياة المعاصرة.

يعتبر السفير أنطونيو دي ألميدا، الأمين العام المكلف لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، أن الكنيسة الكاثوليكية فتحت باباً غير مسبوق للحوار بين أتباع الأديان، معترفة بالحقيقة والقداسة الموجودة في الأديان الأخرى، وداعية إلى التفاهم المتبادل، والاحترام والتعاون. ومن خلال تأكيدها على الإرث الروحي المشترك مع اليهودية، واعترافها بالإسلام والمسلمين كعباد لله الواحد الأحد، الرحمن الرحيم، عطفاً على فتح مساقات مع البوذية والهندوسية، وغيرهما من الديانات العالمية، شكّلت «في حاضرات أيامنا» علامة فارقة في تعزيز المصالحة وتجاوز قرون من التحيز.

هل لا يزال لهذه الوثيقة، بعد ستة عقود، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات والتطورات الجيوسياسية، عطفاً على تحول العالم في اتجاه عولمي؛ هل لا يزال لها أهمية، أو تشكل فاعلية ديناميكية في مسيرة الإنسانية؟

بحسب السفير ألميدا، تواصل «نوسترا أيتاتي» إلهام جهود الحوار الملموسة، ومنها على سبيل المثال أن العام المقبل سوف يشهد الذكرى العاشرة للمجلس الإسلامي - اليهودي (MJLC) المدعوم من «كايسيد»، وهو ما يمثل فرصة مهمة لتعزيز الحوار بين المسلمين واليهود في أوروبا؛ القارة التي لا تزال معاداة السامية وكراهية المسلمين فيها تشكلان تهديداً متزايداً للتماسك الاجتماعي والتعايش السلمي.

كانت الوثيقة المجمعية هذه نتاج جهد عمل كبير لفريق من مفكري الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، لا سيما أولئك الذين اقتربوا بشكل كبير من العالمين العربي والإسلامي، وفي المقدمة منهم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، عطفاً على العلّامة المصري جورج قنواتي.

يلحظ المرء، قبل كل شيء، أن البابا بولس السادس الذي صدر الإعلان المجمعي في عصره، في رسالته العامة «Ecclessiam Suam» قد حدد أهم ملامح الحوار الذي ترغب فيه المؤسسة الكاثوليكية عبر العقود المقبلة، وفي المقدمة منها الوضوح قبل أي شيء آخر؛ فالحوار يتطلب أن يكون ما يقال مفهوماً.

في جوهرها، والحديث للسفير أنطونيو دي ألميدا، تؤطر الوثيقة للحوار بين أتباع الأديان، لا كخيار فحسب، بل كأداة ضرورية لتعزيز العدالة الاجتماعية والسلام وتجاوز الانقسامات. وهذا يتوافق تماماً مع مهمة «كايسيد»؛ ذلك المركز التنويري الخلّاق الذي أُسس عام 2012 كمبادرة للحوار بين أتباع الأديان برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - رحمه الله - وطيِّب الذكر البابا بنديكتوس السادس عشر، لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومكافحة سوء استخدام الدين لتبرير العنف والقمع، ولهذا السبب شارك «كايسيد» بفاعلية في مؤتمر «استشراف المستقبل: إعادة تقييم (نوسترا أيتاتي) اليوم»، الذي نظمته الجامعة الغريغورية الحبرية في روما خلال الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم.

يحتاج الحديث عن الوثيقة وتفاصيلها الكثير من القراءات المعمقة، غير أن أنفع وأرفع ما يقال عنها هو أنها ليست مجرد أثر من الماضي، بل دعوة حية مستقبلية للعمل على تجسير الفجوات، وتعزيز التعاطف، وبناء عالم يكون فيه الإيمان قوة للعدالة، والرحمة، والإنسانية المشتركة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي» ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt