توقيت القاهرة المحلي 08:35:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العالم بين سلامين

  مصر اليوم -

العالم بين سلامين

بقلم : إميل أمين

في الرابع عشر والخامس عشر من الشهر الحالي، يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بواحدة من أهم زياراته الخارجية في ولايته الثانية، ووجهتها الصين القطب الأممي القادم.

لقاء ترمب مع نظيره الصيني شي جينبينغ، يفتح الطريق أمام مستقبل العلاقات بين الدولتين الكبيرتين، وما إذا كانت هناك مسارات للتعاون، ومساقات للتعايش، أم أن فخ ثيؤثيديديس سيقودهما إلى الصدام الحتمي.

ولأن الزيارة مهمة بالفعل، باتت الرؤى التحليلية من حولها تكثر في الأيام القليلة الماضية، ومنها ما أوردته مجلة «الفورين آفيرز» الأميركية الشهيرة عن فكرة السلام الديمقراطي، والسلام الكونفوشيوسي، وكيف لهما أن يعدلا من الأوضاع ويبدلا من الطباع، بمعنى قدرة الآيديولوجيتين على صنع عالم لا حروب فيه.

القراءة المطولة التي أقدم عليها ثلاثة من المفكرين الأميركيين والصينيين، مفادها مقاربة تاريخية بين أزمنة سلام صنعتها ديمقراطيات غربية، وأخرى ساهم في نشوئها وارتقائها الفكر الكونفوشيوسي الصيني.

من أين البداية؟

لتكن من عند فكرة السلام الديمقراطي، وقوامه أن الديمقراطيات لا تتقاتل في ما بينها، بل تتعاون وتؤسس لأزمنة من الهدوء بعيداً عن مشاعر الكراهية، ورائحة النار والدم والبارود، تفتح مجالات الازدهار الاقتصادي، وترفع من مستوى معيشة مواطنيها.

في هذا السياق لدينا أمثلة على نجاعة السلام الديمقراطي، من عند ما عُرف تاريخياً باسم «العصر الجميل»، وهو حقبة من التاريخ الفرنسي والأوروبي في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، اتسمت بالتفاؤل والسلام الإقليمي، وكذا بالازدهار الاقتصادي، عطفاً على صحوة ورقي للآداب والموسيقى، الفنون المرئية، بخاصة المسرح، وامتدت من 1871 إلى 1914.

وصولاً بالقدر نفسه، إلى الديمقراطية الأميركية، التي أرسى قواعدها الآباء المؤسسون، منصةً للحرية والمساواة، وصون العدالة، وتقديس حرية الرأي، ما فتح الباب واسعاً لقيام الإمبراطورية الأميركية، المكافئ الموضوعي للإمبراطورية الرومانية قبل نحو ألفي عام، وقد كان للسلام الديمقراطي لاحقاً الفضل في استنقاذ نظيره الأوروبي، من براثن النازية والفاشية.

هنا لا نغالي إنْ قلنا إن الولايات المتحدة الأميركية أضحت حجر الزاوية في بناء السلام الديمقراطي الأميركي في المائة عام الماضية وحتى الساعة.

ماذا عن الشرق الآسيوي؟

تحفظ لنا أضابير التاريخ فترة زمنية مشابهة، ندرت فيها الحروب إلى حد الاختفاء، وسادت مناطق الصين واليابان، كوريا وفيتنام، وامتدت من 1598 إلى 1894.

كان السر هو الفلسفة الكونفوشيوسية، وكانت الصين هي نقطة ارتكاز هذا السلام الآسيوي الذي تمحور حوله الهدوء بعد أن جرى تأسيس نظام مترابط للحكم الإقليمي، ما ساعد على ضمان الأمن والازدهار، وتبادل التجارة الحرة.

من وجهة النظر الكونفوشيوسية، لا يتطلب الأمر القضاء على الاختلافات، بل النقيض من ذلك، تتحقق فلسفة «الانسجام مع التميز» من خلال الاعتراف بالاختلافات بين الأمم والثقافات والمعتقدات المختلفة، وقبولها، وأكثر من ذلك الاحتفاء بها.

بالغوض قليلاً في عمق الفكر الكونفوشيوسي، نجد مفهوم الانسجام يعد أسمى مُثل الإنسان، لا سيما أنه ينظر إلى التناغم مع الآخرين ومع الطبيعة، على أنه سر السعادة الإنسانية.

في كتابه الأشهر «المنتخبات»، نجد فيلسوف الصين العظيم كونفوشيوس (551 - 479 ق.م) يتبنى الانسجام بوصفه حاجة جوهرية، مؤكداً ضرورة احترام الإنسان العاقل للآراء المختلفة، وقدرته على العمل مع مختلف البشر بتناغم، وينطبق هذا على جميع مستويات التفاعل الإنساني داخل الأسرة، وفي الدولة، وعلى مستوى العالم أجمع.

لم يكن العالم من قبل في حاجة إلى النموذجين المتقدمين، بأكثر مما هو الآن، حيث الانقسامات العميقة تضرب شرقاً وغرباً، وحالة الاستقطاب السياسي تتصاعد، فيما القوميات والعصبيات تجد لها مسارات تعمق من العداءات التاريخية، ما يخيف من الدخول في دائرة الكراهية الأممية، ومن ثم الحرب الكونية الثالثة.

من هنا يمكن القول إنه باتت هناك حاجة ماسة لفلسفة الانسجام والتعايش السلمي بين مختلف الدول والثقافات، وللتقارب بين الآيديولوجيات المختلفة، كمخرج وحيد من الصورة القائمة القاتمة التي ترسمها فوضى الأحداث المعاصرة.

تعني السطور السابقة أن هناك فرصةً تاريخيةً للغرب والشرق، أن يعظما من مساحة الأخلاقيات المشتركة المستمدة من السلامين الديمقراطي والكونفوشيوسي، وبما يمكّن البشرية من تجاوز الخلافات الجوهرية والحفاظ على سلام العالم وسط بحر العالم الهائج المائج.

هذه المرة يبدو إرث الآيديولوجيات الجواد الرابح في مقابل السياسات الواقعية بمراراتها المعاصرة.

تفتح زيارة سيد البيت الأبيض إلى الصين الطريق للتفكير في أرضية فلسفية مشتركة توجد عند كونفوشيوس وبنغامين فرانكلين، تجنب الحروب وتنهي حتميات الصراع الجبرية، في عالم بات فيه الموت عادة وربما عبادة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم بين سلامين العالم بين سلامين



GMT 07:30 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

بقلم صاحب التوقيع

GMT 07:28 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الشوالي يحدثنا عن إنجاز عربي مونديالي

GMT 07:27 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

رجوع لبنانَ إلى أهله

GMT 07:25 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

زمن التلاعب بالاستقلال

GMT 07:22 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة

GMT 07:20 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

GMT 07:18 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt