توقيت القاهرة المحلي 23:53:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هراري... الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية

  مصر اليوم -

هراري الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية

بقلم:إميل أمين

مرة جديدة ينفلش الحديث المخيف عن نهاية الإنسانية من جراء الثورة المعلوماتية والشبكات الإلكترونية، وكأنه صدى لتنبؤ آخر تحدث عنه عالم الاجتماع السياسي الأميركي فرنسيس فوكاياما في أوائل تسعينات القرن الماضي، عبر مؤلفه «نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية».

منطلق عودة إرهاصات نهاية الإنسان، موصول ولا شك بإعلان الولايات المتحدة الأميركية عن بدء مشروع «ستارغيت» للذكاء الاصطناعي من جهة، ثم الثورة الصينية المتعلقة بمشروع «ديب سيك» من ناحية أخرى.

في سبتمبر (أيلول) الماضي، خرج على العالم الباحث والمؤرخ في قسم التاريخ بالجامعة العبرية بالقدس، يوفال نوح هراري، بكتابه الأحدث «Nexus»، أو «الرابط: تاريخ مختصر لشبكات المعلومات من العصر الحجري حتى الذكاء الاصطناعي».

عرف هراري بكتاباته عن «الثورة الإدراكية» التي حدثت قبل خمسين ألف سنة عندما تمكن «الهوموسابينس» الإنسان العاقل، من التفوق على إنسان «النيندرثالز» البدائي، عبر تطويره للمهارات اللغوية والهياكل الاجتماعية.

في مؤلفاته السابقة تناول هراري نتائج الأبحاث البيولوجية التي ستخلق عالماً يتفوق فيه الذكاء الاصطناعي على خالقه البيولوجي، وتصل رؤياه المخيفة إلى أن «الهوموسابينس» كما نعرفه سوف يختفي بعد قرن أو أكثر قليلاً.

في مؤلفه الأخير يأخذنا هراري من خلال النظر عبر عدسة التاريخ البشري الطويل في كيفية صنع وتدمير تدفق المعلومات لعالمنا، ويوفر خلفية أساسية لفهم التهديدات والوعود التي تحملها ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم.

تضعنا صفحات كتاب هراري أمام تساؤل جوهري، وهو أنه إذا كنا قد أطلقنا على نوعنا البشري الحالي اسم العاقل، وإذا كان البشر قد وصلوا إلى هذا الحد من المعرفة والحكمة، فلماذا يفعلون الكثير من الأشياء المدمرة للذات؟

ربما قصد هراري الحروب والصراعات العالمية في الماضي، غير أنه وبكل تأكيد يتوقف اليوم أمام نوعين آخرين من الجنون، وذلك عبر الانتحار البيئي والتكنولوجي معاً.

يقطع هراري بأن البشرية تكتسب القدرة من خلال بناء شبكات كبيرة من التعاون، ويرى أن أسهل طريقة لبنائها والحفاظ عليها، هو نشر الخيال والأوهام الجماعية.

لم يكن هراري في واقع الحال هو أول من تناول شأن الشبكات، فقد سبقه في يناير (كانون الثاني) 2019 المؤرخ الاسكوتلندي الأصل الأميركي الجنسية، نيل فيرغسون، بكتابه الأكثر إثارة «الساحة والبروج: الشبكات والسلطة من الماسونيين الأحرار إلى فيسبوك»، والفارق هو أن هراري يركز على التدفق المعرفي، فيما فيرغسون، اهتم بالجماعات الإنسانية القابضة على جمر السلطة حول الكرة الأرضية.

يمكننا القطع بأن هراري وفوكاياما من قبله، قد استمدا الكثير من معينهما الفكري من الروايتين الشهيرتين: «1984» لجورج أورويل، و«عالم شجاع» لالدوس هكسلس، وهما الروايتان المؤسستان للكثير من أفكار المستقبليات، لا سيما عندما يتخطى هذا العالم المستقبلي حدوده، ويحكم على القدرات الإنسانية بالركود ووقف النمو بل والتطور.

يضعنا هراري أمام حالة تناقض ظاهري وباطني، حيث إشكالية سعي البشرية إلى تحسين قدراتها، لكن من غير أن تقبل واقعها وطبيعتها وجوهرها المجبولة عليها.

محور هذا العمل الفكري الكبير يدور حول قدرات شبكات الكومبيوتر القائمة والقادمة على تدمير كل شيء، من رأسمالية المراقبة الرقمية، إلى خوارزمية التعددية الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي للحضارة، والوصول إلى نهاية التاريخ البشري.

تبدو المعلوماتية شيئاً مستحباً بالفعل، لكن هل كلما زاد تدفقها كان الأمر أكثر منفعة للبشر أم العكس؟

يذهب البعض إلى أن التدفق الحر للمعلومات يتناسب طردياً مع رفاهية البشرية، غير أن نفراً آخر يرى أن السيطرة على كنوز المعلومات تقود حكماً إلى التوتاليتارية والشمولية، وحكم الفرد، وهو ما يمكن أن تفعله شبكات المعلومات والذكاءات الاصطناعية التي تتطور بسرعة مخيفة من عالم الـAI إلى سياقات الـSAI وصولاً إلى الـAGI... والسؤال، هل يمكن أن نصحو يوماً لنجد أسياد الذكاء الاصطناعي الجدد وقد اكتسبوا قوى ترتقي بهم إلى مرتبة التسيّد المطلق؟

من «ستارغيت» إلى «ديب سيك»، يمكن أن تجد الإنسانية ذاتها بين يدي وباء معلوماتي يدمر خزائن الأرض المعلوماتية، وربما وباء بيولوجي حقيقي، تروج له جماعات مارقة، عطفاً على الأخطر، وهو تخليق مذاهب دينية جديدة وغريبة.

هل هراري كاتب رؤيوي تنبؤي أم سردي؟

مهما يكن من أمر فإن الخوف الحقيقي هو أن تندم البشرية من هذا السباق، كما ندم نوبل على صناعة الديناميت، وآينشتاين على تفتيت الذرة، ما لم تقتنع البشرية بأن كل تلك الذكاءات تفتقر إلى كل ما هو إنساني جوهري وعميق.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هراري الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية هراري الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt