توقيت القاهرة المحلي 00:23:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تغيُّر نبيل أمام تجمُّد خسيس

  مصر اليوم -

تغيُّر نبيل أمام تجمُّد خسيس

بقلم - سمير عطا الله

لا وجود في بلادنا لما يُعرف بالتربية المدنية في بلاد الآخرين. وحيثما وجدت كانت نسبتها ضئيلة. وأول معاني هذا العنوان هو السلوك نحو الآخر. فإذا كان ضعيفاً يجب أن تساعده، وإذا لم يكن في حاجة، فعليك أن تتعاون معه لمساعدة الآخر.
في دول أوروبا جمعيات ومؤسسات لا يخطر لك وجودها. قلم عتيق للبيع، أو نظارات قديمة، أو جهاز راديو قديم. لا تخطر لك، لأنك لست في حاجة إليها. لكن هناك أناساً يجدون فيها «لقية» سعيدة.
الأزمة الاقتصادية الضاربة في لبنان علمتنا، للمرة الأولى، أن المحتاجين كثيرون، والبؤساء والمقهورين وضحايا السلطة الجائرة في كل مكان. وفي الماضي كانت مساعدة الغير وقفاً على جمعيات قليلة، أما الآن فلا تخلو حارة من أعمال الخير. ذلك على الميسورين وأبناء الطبقات القادرة كما هي العادة منذ زمن، وإنما تشمل الحمية جميع الناس، على نحو عفوي. وكم يعاني المحسنون من رؤية المشاهد المحزنة. فالجوع لم يكن أمراً وارداً في حياة ذلك الكريم الذي أذل، ولم يبقَ له في وجود الزمر السياسية، سوى الرحمة.
تعلمنا في أوروبا أن المساعدة الاجتماعية واجب. وقد تكون بالآلاف أو بالقروش، وفي الآية الكريمة «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
منذ فترة ونحن نقرأ عن أزمة الغاز التي ستضرب أوروبا، وأن الشتاء سيقتل المتقدمين في السن. ولكننا بلاد دافئة وطقسها رحمة، ولم يتخيل لنا أن الناس يمكن أن تموت بسبب أزمة أوكرانيا. ولا خطر لنا أن الشتاء سوف يبكر إلى هذه الدرجة، وتبدأ أمطاره ورياحه وثقالة دمه تهدد الناس في منازلهم. (اتصلت بأحد الأصدقاء في باريس فجاء صوته غليظاً مثقلاً بحمى الأربعين. قال إن الشتاء خدعه مرتين هذا العام: الدولة الفرنسية أخرت موعد كهرباء التدفئة، والبرد بكّر كثيراً. ولم يكن قد احترس، فغدر الزكام بالعائلة جميعها). إذن، الناس تصاب في الحقيقة، وليس في أخبار الصحف. وكوارث الطبيعة ليست مشاهد تلفزيونية، بل مآسٍ وخسائر ومصائب.
كان السائد في لبنان مثل شعبي أناني سفيه، يقول «بَعُدَت عني بسيطة». أي كل ما لا يطاله شخصياً لا يضيره. تغيرت هذه النفس الدنيئة بعد ما فعلته الحالة الاقتصادية والفجور السياسي بالناس من تدمير لكرامتها. الآن يردد الجميع طوعاً «الناس للناس». وبينما يتشاجر السياسيون في حقد وكراهية وأنانية جرمية حول مقعد كسرت قوائمه عمداً، يظهر اللبناني الوجه الذي تستحقه مأساته، وهي أعمق مما يمكن تصوره. إنها موجودة مثل الموت، أو المرض برداً في أوروبا. هذه ليست أخباراً صحافية. إنها حياة بشر وعذاباتهم. والطقس المعتدل في لبنان هو الرحمة الوحيدة الباقية رغم أنف الحرامية الذين سرقوا كل شيء حتى أقساط مدارس الأطفال، وأغطية أسرّتهم ووسادة طفولتهم.
المسألة في لبنان ليس أن البلد يموت، بل أنه يُقتل. وبدل أن يتوقف السياسيون أمام الجريمة يمعنون في التهريج والأنانيات والعيب. وأمام هذا التحدي لمآسي الناس وكرامة الدولة، يزداد تعاضد اللبنانيين على نحو غير مسبوق ويكتشفون أن «التربية المدنية» ليست درساً نظرياً يتعلمونه في المدارس، بل واجب من واجبات الحياة. وأن الأخبار في الصحف ليست لكي تقرأ قبل النوم، بل لكي تقرأ قبل الهمّة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تغيُّر نبيل أمام تجمُّد خسيس تغيُّر نبيل أمام تجمُّد خسيس



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt