توقيت القاهرة المحلي 16:38:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ناظر الكلمات

  مصر اليوم -

ناظر الكلمات

بقلم - سمير عطا الله

صديقنا ميسور ومحظوظ. والأول نتاج الثاني في منطق الأشياء وشواهد الزمان. وصديقنا رجل طيّب، كثير الحظ، قليل العلوم، بديع الحضور. ليس له من القامات وفر، لكن له من المؤانسة فيض دائم.
سافر إلى القارة السمراء يافعاً، وقد حفظ بضع كلمات من الإنجليزية، وجمع ليرات من توفيره. ومن حظه، أن كلمات الأفارقة الإنجليزية كانت قليلة هي أيضاً، ولذا جرى التفاهم بالكثير من أموال المواطنين والقليل من فصاحة الفريقين. ولم يكن لصديقنا مهنة، أو حرفة، أو علوم. فقرر أن يوظف الناس تعمل عنده. هو الوسيط بين فريقين: الأول يبيع، والثاني يشتري، وهو يقبض من الاثنين ويهنئهما على حسن الاختيار.
تعلم في أسواق أفريقيا وألوانها وبهرجتها أن يفعل عكس الأفارقة. هم يسرفون بلا حساب ويصرفون بلا وجل، فأخذ يقتر بلا حساب ويصرف بوجل، علاوة على رجفة باليد اليمنى ورعشة في جفن العين اليسرى. ولم يكترث قليلاً أو كثيراً لسمعة البخل التي نمت حوله في أوساط الجالية. وما كانوا يعتبرونه غلوا في الحرص، كان يراه حكمة في السلوك والمسرى. وكان كلما تضخمت ثروته قلل من قاموس الكلمات التي حفظها. ومع السنين أتقن، مثل الجميع، اللغة العامية: كلمة «سواحيلي» كلمة إنجليزية من ست كلمات «أوكي». وكان يشكر الله كل يوم على فضله تعالى في وجود «أوكي»، وإلاّ لكان هو وأفريقيا، والمبادلات التجارية في مأزق.
الظرف والبخل، مثل خطّين مستقيمين، لا يلتقيان. حظه حقق المعجزة. بخيل مثل بخلاء الجاحظ، ومسلٍّ مثل بديع الزمان ومقاماته. وكان يأتي كل صيف لزيارة الأهل والأصدقاء، وبدل أن يحمل لهم الهدايا، يحمل «مقامات» جديدة من وضعه وتأليفه ومخيلته. وواضح من هذه الروايات أن له ضعفاً خاصاً حيال الأفيال وسكونيتها وحبها للبشر وتسامحها مع سائر الحيوان.
ويقول إن في هذا الكائن الهائل الحجم دعة اليمام وأنفة الصقور، ولا شيء يبعث فيه الغرور الفارغ. فهو مهما كبر، مثلاً، يعرف أنه لا يستطيع أن يغني، ومهما كان قوياً، فالفراشة أكثر جمالاً، ومعلم اللغة الإنجليزية الفقير يعرف أضعاف ما يعرف هو.
في نهاية المطاف قرر صديقنا العودة من القارة الأفريقية إلى القارة اللبنانية. واكتشف أنه لم يعد له فيها أحد، وأن الصداقات لا في سن متقدمة، وأن الزواج تعقَّد في مثل هذه السن، مثل الثقافة القائمة على بضع كلمات إنجليزية تلفظ بطريقة مضحكة تسندها «أوكي» بين كلمة وأخرى. تأخر على كل متع الحياة حتى القراءة. تذكّر ما سمع يوم كان طفلاً من القدامى الحياة قطار: حاول أن تفيد من سرعته وأن تفرح بمناظر النافذة، وتتعلم من رفاق الطريق، وتشكر الله على الوصول بخير.
سأل أصحابه كيف يحسن تمضية الهزيع الأخير؟ اتفقوا على رأي واحد: أن يتبرع ببناء مدرسة، وأن يوظف نفسه ناظرها، وفي دوراته أن يتلقف ما يستطيع من كلمات إنجليزية: لن يصدق أحد أن بذلك العدد من الكلمات غزوت القارة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ناظر الكلمات ناظر الكلمات



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt