توقيت القاهرة المحلي 13:56:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كبير الجلادين

  مصر اليوم -

كبير الجلادين

بقلم:سمير عطا الله

آخر ما قرأت من كشوفات عن عذابات العهد السوري السابق، كانت الروايات المريعة في اللقاءات التي أجراها الزميل رئيس التحرير مع مدوِّن الوثائق الرهيبة، الذي أعطى نفسه الاسم المستعار «سامي». بعد انتهاء الحلقات، اتخذت قراراً، لا أدري إن كان شجاعاً أم جباناً، هو أنني لن أقرأ بعد الآن أي شيء عن مظاهر الوحشية التي أُغرقت فيها سوريا طوال نصف قرن أو أكثر. فما قرأته من سادِيّاتٍ لا تُصدَّق يكفي 20 رجلاً و20 عقداً، ولعل في هذا ظلماً للضحايا وأهاليهم، ولسوريا نفسها، ولكنني أعترف بأنني لا أقوى على احتمال تصور البشر وهم على هذه الصورة.

يقول المدوّن «سامي» إن العقاب الأكبر يجب ألا يُنزَل بكبار الضباط؛ وإنما بصغار الجلادين الذين يبالغون في تنفيذ الأوامر، ويخترعون أسوأ أنواع التعذيب، ويرتكبون أفظع أنواع الجرائم، بحجة أنهم ينفذون أوامر لا دخل لهم فيها.

عذراً مما قد يبدو تباهياً أو افتخاراً وسط غابات الموت وأدغال الجراح، لكنني منذ سنوات طويلة وأنا أكتب في هذه الزاوية أن المجرم الأكبر في حقل القتل والتعذيب العربي، هو الجلاد الصغير. فهو الذي يقبل ويرتضي، وأحياناً يتحمّس، أن يكون أسوأ أدوات القتل البطيء والجريمة الجماعية. وفي نهاية كل يوم يعود إلى منزله هانئاً سعيداً ليتناول العشاء مع أطفاله، وربما ليروي لهم أيضاً، بكثير من المفاخرة، والتلذذ، عن بطولات ذلك النهار في سبيل أسياده ومعلميه. والأرجح أنه كان هناك سباق دائم بين الجلاوزة والقتلة المكلفين بشأن مَن يجيد أكثر من غيره طرق العذاب وهدر الكرامة البشرية، وخلط الدماء بالعظام. وربما يكون صاحبنا الأكبر يستعيد الآن في منفاه صور ما كان يأمر به.

مرّت ألمانيا ودول أوروبية أخرى بمثل ما نمرّ به الآن. ناس تُحمّل الأبرياء والمرتكِبين المسؤوليةَ نفسها. وأصبح اسم ألمانيا رديفاً لـ«الفراعات» التي لا يتصورها أحد. غير أن عدداً كبيراً من «الألمان»، أو الفرنسيين، أو السوفيات، كان بين الضحايا؛ ولذلك أُنشئت محاكم دولية خاصة، مثل محكمة نورمبورغ، يقاضَى أمامها المذنبون، ويبرَّئ فيها الأبرياء. ربما أفضل ما تفعله سوريا الجديدة الآن هي إقامة محاكم مشابهة، يُفرَز خلالها مَن أساء إلى الدولة والوطن والشعب، ومَن يمكن أن يكون له عذر شرعي في هذا الظلام الكبير. لكن حقيقة واحدة تبقى بغير حاجة إلى تأكيد، أو إلى إعادة تأكيد، هي أن المجرم الأكبر هو الجلاد الأصغر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كبير الجلادين كبير الجلادين



GMT 08:35 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 08:34 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 08:32 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 08:29 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الأزمة اليمنية

GMT 08:28 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أعمال بشرية... وأفعال قدَرية

GMT 08:27 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 12:07 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الرياض تستضيف مؤتمرا جنوبيا بمشاركة وفد المجلس الانتقالي
  مصر اليوم - الرياض تستضيف مؤتمرا جنوبيا بمشاركة وفد المجلس الانتقالي

GMT 09:49 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نيللي كريم وشريف سلامة يخوضان سباق دراما رمضان 2026
  مصر اليوم - نيللي كريم وشريف سلامة يخوضان سباق دراما رمضان 2026

GMT 09:56 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:21 2023 السبت ,26 آب / أغسطس

أنت الوحيد

GMT 20:43 2021 الإثنين ,29 آذار/ مارس

سويسرا تعين نجم التنس فيدرر وزيرا للسياحة

GMT 02:39 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

مذيع "مع الفارس" يؤكد أن رانيا يوسف أساءت لنفسها

GMT 10:06 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد عبد الملك يُحمل أيمن يونس مسؤولية مؤازرة الزمالك

GMT 14:55 2020 الأربعاء ,06 أيار / مايو

نجلاء فتحي مطلوبة على جوجل

GMT 14:20 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

ميدو يُداعب زوجته بسبب "تاتو" يحمل اسمه

GMT 17:36 2017 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

"وزارة الكهرباء المصرية" تعلن عن 10 آلاف وظيفة خالية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt