توقيت القاهرة المحلي 05:29:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحي والضفتان

  مصر اليوم -

الحي والضفتان

بقلم - سمير عطا الله

كان اسمه «الحي اللاتيني»، وقلائل كانوا يعرفون، أو يهمهم أن يعرفوا، لماذا سُميَّ كذلك. لكنه كان يعني حيّ النخبة وحيّ الجامعات، ومنها السوربون، وحيّ المثقفين وحيّ الكتّاب، وحيّ الفنانين، وحي الجدل والنقاش، واليسار والتائهين والمتمردين والشباب والرفض، والمطاعم الرخيصة، والطالبات بجدائل ثورية، والمكتبات المدرسية على طول بوليفار السان ميشيل وكآبته، ومكتبة الفلسفة، وكلية الطب، ورصيف الذين بلا مأوى، والرجال الذين يحدثون أنفسهم في الشوارع، والهارعين إلى سماع المحاضرات قبل امتلاء المقاعد وفيض القاعات.

كانت تسمى أيضاً باسمها المعاصر، «الضفة اليسرى»؛ لأن «الحيّ اللاتيني» من القرون الوسطى، يوم كان العلم كله باللغة اللاتينية. ثم انقرضت إلاًّ عند الأرستقراطيين والمتفذلكين وطويلي البال. وقد أمضيت ردحاً من زمني وشبابي في الحي اللاتيني لا أملك حق العبور إلى الضفة اليمنى، حيث الهندام أكثر كلفة، والمطاعم أكثر صعوبة، والفتيات أكثر دقّة. ومع العمر، خرجت من دائرة الحي اللاتيني طوعاً، تاركاً المكان للشباب الجدد والقادمين إلى باريس لكي يتقدموا إليها لطلبات الأحلام، والكتب، والحصول على شهادة التشرد، على ضفاف السين. بدرجة امتياز.

أصبحت غريباً في الضفة اليسرى، ومغترباً في الضفة اليمنى. وصرت إذا عدت إلى مقهى اللوكسمبور أشعر أنني وصلت للتو من النصف الأول من القرن السابع عشر. تغير كل شيء. الآن أشعر أنني وصلت إلى «كوينز» في نيويورك. المكتبات تبيع بناطيل جينز، ووجبات هامبورغر وسجق. ولا أعرف إلى أين ذهب الحي اللاتيني من هنا. ولا عاد أحد يعرف ماذا تعني بالاسم الرومانسي «الضفة اليسرى». كل الضفاف خلعت عنها نهر السين. ولم تعد باريس حريصة على أنها تاج المدن وعروس الأنهر. مدينة تمضي في طريقها على عجل. وبين حين وآخر ينزل حطّابو الجمال إلى الشوارع ومعهم حجارة وبشاعات وسخافات الثورة البالية. لم تخرج الثورة الفرنسية من الحي اللاتيني. خرجت من مكان أبعد قليلاً يدعى الباستيل، أو ساحة الباستيل. وترجمته السجن المريع. وقد حطّمه الفرنسيون في سبيل الحرية، لكن لا أحد يعرف لماذا يحطّمون المدينة اليوم. وضد من هذا التوحش. كان يقال إن نسبة المثقفين في المتر المربع في الحي اللاتيني هي الأكثر كثافة على وجه الأرض. لا أعرف من هي المدينة التي تملك هذا التميز الآن. محزن أنها ليست مدينة الضفة اليسرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحي والضفتان الحي والضفتان



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt