توقيت القاهرة المحلي 19:19:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

احتراف «الشجن»

  مصر اليوم -

احتراف «الشجن»

بقلم - د. محمود خليل

المصرى يحزن كمحترف ويفرح كهاوٍ. فعبر تاريخنا الممتد لآلاف السنين يعرف شعبنا كيف يحزن، وأدوات التعبير عن الحزن لديه عديدة مقارنة بأدوات التعبير عن الفرح، ومحتوى الحزن لديه أكثر سخاءً من محتوى الفرح.

انظر على سبيل المثال إلى كلمات «التعديد» التى اخترعتها السيدة المصرية للتعبير عن أحزانها على من رحلوا. «التعديد» فى مصر له أشكال وألوان. وهو عبارة عن أشعار رثاء تنشدها السيدات للتعبير عن أحزان الفقد ومآثر الفقيد. تأمل أيضاً الأغانى وفكّر فى كلماتها وما تحمله من معانٍ، ستجد أن ثمة تركيزاً على معانى الهجر والفراق والوجع، أكثر مما تعبر عن معانى البهجة والفرح واللقاء. الشخصية المصرية ميالة إلى البكاء فى الفرح والحزن. وأخلد المعانى فى الذاكرة المصرية ارتبطت بأحداث موجعة وهزائم مر بها أهل هذا البلد، وأجمل الضحكات التى تنحت وجوه المصريين يعقبها دعاء «اللهم اجعله خيراً»، لأن الحياة عوّدتهم أن كل ضحكة يعقبها حزن. هل تذكر أغنية محرم فؤاد التى يقول فيها: «وانت عنى بعيد.. الجراح بتزيد.. كل يوم باتألم.. حتى يوم العيد»؟.

يعزو البعض هذه الحالة إلى التجربة التاريخية المرهقة التى مر بها المصريون، والضغوط العنيفة التى مورست عليهم من جانب المستعمرين الذين تقلبوا على البلاد، وهى ضغوط تدفع الفرد إلى الحزن وتذكره به حتى فى المناسبات السعيدة. قد يكون ذلك كذلك، لكننا فى النهاية لسنا استثناءً بين شعوب العالم، فكلها مرت بتجارب حزينة قاسية، ورغم ذلك لا يغلبها الحزن كما يغلبنا. ثمة شىء مختلف فى المزاج المصرى وكذا فى الثقافة العامة السائدة لا بد من البحث والتفتيش وراءه وفهمه، حتى نستطيع التفسير ومن ثم التغيير.

وإذا انتقلت من الماضى إلى الحاضر فستجد أن أهم أداة تكنولوجية معاصرة (الموبايل والإنترنت) تحولت إلى آلة بث وشكوى وتصدير للأحاسيس الحزينة، وأحياناً السلبية. بعبارة أخرى تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى ساحة تعج بـ«النكد». فأغلب ما يروج عليها من أخبار وتدوينات وتريندات تسيطر عليها الروح السلبية، وقليلاً ما تظفر عليها بالمحتوى العكسى.

هى فى حالات الوفاة سرادق عزاء كبير، وفى الذكرى السنوية ساحة لإحياء المناسبة والدعاء للمتوفى. إذا مرض أحدهم تحولت الساحة إلى مستشفى كبير تتناثر فيه الورود والدعوات والأمنيات الطيبة بالشفاء للمريض. وإذا مر أحدهم بتجربة سلبية مع إحدى المؤسسات حكاها تفصيلاً حتى يتشارك معه الجميع فى التألم مما وصلت إليه الحال، والأمر نفسه يتعلق بالتجارب السلبية مع الأصدقاء أو الأقارب أو الجيران وغير ذلك. لا بأس بالطبع من ذلك، بشرط ألا يزيد على حده حتى لا ينقلب إلى ضده.

الأخبار الموجعة تجد طريقها على مواقع التواصل بصورة أسرع وأكثر انتشاراً من الأخبار التى تنقل صور وتفاعلات الإنسان مع الحياة بشكل متوازن يمتزج فيه الفرح بالشجن.

الشجن جزء من الحياة، والحزن مكون من مكوناتها، لكن ثمة جزء آخر ومكون ثانٍ يحلق به الإنسان فى الحياة يحتاج إلى التنبه إليه.. التوازن مطلوب حتى لا تتحول آلات البث التقليدية والمستحدثة إلى مجرد أدوات لنشر النكد بين الناس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

احتراف «الشجن» احتراف «الشجن»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt