توقيت القاهرة المحلي 19:53:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

موت «نجيب»

  مصر اليوم -

موت «نجيب»

بقلم - د. محمود خليل

في نهاية الرحلة عاش نجيب محفوظ فكرة "التصالح مع الموت". في أحد الحوارات الأخيرة للكاتب الكبير تحدث عن أنه بات يحب الموت، مثلما أحب الحياة، فالموت في نظره هو الحقيقة الكبرى في الحياة، والنهاية الحتمية لكل حي، لذا فعلى العاقل أن يتصالح معها، ويعد لها عدتها، بل ويتشوف لما وراءها.

فالإنسان روح وجسد، الجسد للتراب، أما الروح فباقية، لأنها من الخالق العظيم: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

في رواية "حديث الصباح والمساء" تناول نجيب محفوظ "ثنائية الولادة والموت" كقانون أساسي من قوانين الحياة، جيل يظهر وآخر يختفي، نور يسطع وآخر ينطفئ. تظل قصص الحياة متكررة، وحتى بشرها يبدون متكررين، على ما بينهم من خلاف أو اختلاف.

كما كانت روح نجيب محفوظ متصالحة مع الحياة ومتشوقة إليها، كانت متصالحة في نهايات الرحلة مع الموت، ومتشوفة إلى ما وراء الحياة، بل يمكن القول بأن "محفوظ" بنى جسراً في العديد من رواياته بين الحياة والموت، فأخذ من تأملاته فيما بعد الحياة أداة لإثراء وصفه للحياة في بعض رواياته وقصصه.

تجد ذلك حاضراً -على سبيل المثال- في قصة "السماء السابعة"، وهي واحدة من أورع القصص المنسية لنجيب محفوظ. والقارئ لسطورها قد يظن للوهلة الأولى أن الكاتب يعالج قضية "تناسخ الأرواح"، من خلال صعود الروح إلى السماء، ثم هبوطها إلى الأرض عبر شخصيتين أساسيتين، هما شخصية "رؤوف عبد ربه" و"عانوس"، لكن المتعمق في أحداثها سوف يجد نفسه أمام فكرة "تناسخ" أو "استنساخ" الخير والشر في الحياة.

مشاهد محاكمة ممتعة رسمها نجيب محفوظ لشخوص الرواية أمام الحكيم "آبو"، يتحدد على أثرها مصير الشخص ما بين الصعود إلى السماء الثانية أو العودة إلى الأرض.عبر "نجيب" محفوظ إلى ما وراء الحياة أيضاً في رواية "أمام العرش"، والتي تجد فيها استدعاء سريعاً لكل حكام مصر بدءاً من مينا موحد القطرين، وحتى أنور السادات، مروراً بسعد باشا زغلول، ومصطفى باشا النحاس، والرئيس جمال عبد الناصر، وغيرهم.

أمام العرش كانت تذكر إنجازات وإخفاقات هؤلاء الزعماء، وما تركوه من أثر في حياة المصريين، في استعادة للثنائية المعتادة للخير والشر التي تنسج أحداث الحياة.الموت في نظر نجيب محفوظ يمكن أن يقع بالحياة، والحياة يمكن أن تتحقق بالموت. والسر في الأول والآخر هو القلب.

في بداية حكاية عاشور الناجي –من رواية الحرافيش- كتب الراحل نجيب محفوظ جملة سخية بالمعاني، مشحونة بالدلالات، جاءت على لسان الشيخ "عفرة زيدان" يقول فيها: "تدفن القلوب في ظلمة الإثم".

القلب سر الحياة ومصدرها، والمايسترو الذي ينظم إيقاع حركة الجسد ككل. توقف دقاته وسكون نبضاته يعني الموت، لكن عبارة نجيب محفوظ تقول غير ذلك، فقلب الإنسان قد يموت ويُدفن، ومع ذلك يظل الجسد حياً، أو يصبح صاحبه "ميتاً بالحياة"، كما يصف المثل المصري صنفاً معيناً من البشر.

توقف القلب عن العمل لدى "الميت بالحياة" يعني ببساطة تحوله إلى فصيلة أخرى غير فصيلة البشر، وإن كنا لا نعلم على وجه الدقة أسرار قلوب خلق الله –غير الإنسان- وهل تحس وتشعر وتميز بين الخير والشر، كما يفعل القلب لدى الإنسان؟ طريق أساسي يؤدي إلى إمراض القلب ثم موته.

إنه طريق الإثم. كل البشر يقعون في الآثام، بل بإمكانك أن تقول إنهم جميعاً شركاء في الإثم، منهم من يتنبه ويفيق فيستغفر خالقه ويتوب، ومنهم من يواصل غيه، ويساير هوى نفسه، فيغريه الإثم بالمزيد من الآثام، ويظل كذلك حتى يمسي الإثم جزءاً منه، ومن يطول به السير في طريق يصعب عليه العودة منه.

الرحلة تبدأ بارتكاب الإثم جرياً وراء مغنم أو مطمع أو مصلحة أو فائدة أو لذة معينة، وبمرور الوقت يمسي ارتكاب الإثم بلا هدف، فصاحبه يفعله لأنه أصبح جزءاً من تركيبته، سواء حقق من خلاله نتيجة أو لم يحقق.

لقد صفا قلب نجيب محفوظ، فعاش حياته رائقاً.. وفي الختام سجد للحق في هدوء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

موت «نجيب» موت «نجيب»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt