توقيت القاهرة المحلي 12:24:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الرضا لمن يرضى»

  مصر اليوم -

«الرضا لمن يرضى»

بقلم - د. محمود خليل

الحياة داخل أحياء القاهرة القديمة منتصف السبعينات وما بعدها بدت عشوائية على مستوى الشكل، بيوت قصيرة وأخرى متطاولة، غرف متداخلة، فواصل ضيقة ما بين البيوت، تستطيع أن تسلم على جارك من شرفة البيت، بيوت تتوافر بها المرافق، وأخرى تغيب عنها، لكن فى المقابل كانت الحياة شديدة الانتظام على مستوى المضمون، حيث تلتحم نمنمات البشر فى لوحة «موزاييك» تشد النظر، وتدعو إلى التوقف والتأمل.

كل نقطة من نقاط اللوحة ترقد إلى جوار شقيقتها فى أنس وألفة واتساق، وتتكامل مجموعة النقاط فيما بينها، ليبدو المحتوى منتظماً، رغم عشوائية الشكل والمساحة التى تحتلها كل نقطة. فأسهل شىء بالنسبة لأى فرد عاش هذه الأجواء هو الاندماج والتكامل مع غيره، ليرفع الجميع شعار: «يمكن إذا حسنت النفوس أن يأكل العشرات فى طبق واحد»، و«الأكل يحب اللمة»، و«الناس لبعضيها»، و«النبى وصى على سابع جار»، و«الجنة من غير ناس ما تنداس»، وغير ذلك.شتات من البشر كانوا يأخذون شكلهم أو مسارهم المنتظم فوق سطح اللوحة، والقاسم المشترك بينهم هو الاندماج والتقارب الذى يصل إلى حد الالتصاق: كبار وصغار، متعلمين وحرفيين، رجال ونساء، معدمين ومساتير، قاهريين وريفيين.

بإمكانك أن تجد نموذجاً على الأطياف البشرية التى جمعتها لوحات الأحياء القديمة فى روايات نجيب محفوظ، وقد كان -رحمه الله- من المغرمين بوصف البشر العائشين فوق ترابها.فى رواية «خان الخليلى» على سبيل المثال تجد الحى يجمع بين عاكف أفندى الموظف المحال للمعاش، وأحمد أفندى عاكف الموظف بوزارة الأشغال الذى لم يكمل تعليمه الجامعى، والأسطى «نونو» الخطاط، وغيرهم.

وفى رواية «زقاق المدق» تجد لوحة جديدة لبشر بينهم: عباس الحلو الحلاق، وحميدة الفتاة المتمردة، وعم كامل بائع البسبوسة، والمعلم كرشة صاحب المقهى، وولده حسين الذى يعمل فى «الأورنص»، وزيطة، والدكتور بوشى، وأم حميدة الدلالة، وغيرهم.

وعلى ما كان بينهم من تناقضات وما ميز حالتهم المعيشية من عشوائية، إلا أنهم شكّلوا حال تجمعهم معاً لوحة لا تخلو من تناغم.السمة الأساسية التى جمعت بين البشر داخل هذه الأحياء تمثل فى «الرضا». فأغلبهم كان راضياً عن حياته، رغم ما فيها من عنت وتعب، وإرهاق وحرمان، لكن ذلك لم يكن يعنيهم، بسبب نظرتهم الإيمانية بأن «الحياة دار شقا»، و«إحنا أحسن من غيرنا».

ويعتبرون التمرد على «العيشة» سلوكاً مقيتاً، وهم لا يتركون المتمرد، بل يحاولون رده إلى جادة الصواب، حتى ولو دفعوا حياتهم ثمناً لذلك، كما فعل «عباس الحلو» مع «حميدة» فى «زقاق المدق».مثّل «الإحساس بالرضا» الدافع الأول لمواصلة الحياة لدى أغلب من يعيشون فى هذه الأحياء. كانت عبارة «ما تتبطرش ع النعمة» أساس تربية كل أب وكل أم لأولادهما.

فنعم الله فى نظر بسطاء هذه الحقبة عديدة، حتى ولو كانت «عيش ودقة»، أو أى «لقمة» أخرى «هنية تكفى مِية»، أو النوم ملء الجفون، أو العافية والقدرة على الكدح، أو الجيرة الهادئة، أو الصداقة المخلصة، وغير ذلك كثير.. والرضا لمن يرضى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الرضا لمن يرضى» «الرضا لمن يرضى»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 07:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
  مصر اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt