توقيت القاهرة المحلي 15:16:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«ويَبْغُونَها عِوَجاً»

  مصر اليوم -

«ويَبْغُونَها عِوَجاً»

بقلم - د. محمود خليل

ماذا يحدث عندما يفقد جسم الإنسان استقامته ويعوج فى اتجاه معين؟ إنه يعجز عن رؤية الحياة كاملة، وتصبح نظرته محصورة فى النقطة المحددة التى يستطيع النظر إليها، قد تكون إلى الأمام، أو للخلف، أو يميناً، أو شمالاً، الجسد المستقيم هو الذى يمكّن الإنسان من النظر والتعامل مع المشهد ككل.

الحياة تضطرب وترتبك عندما يفقد البشر بوصلة «الاستقامة».

البعض يحبها كذلك، ويبغى اعوجاج الأمور من حوله، وأغلب من يسير على طريق الاعوجاج يقعون فى فئة الناسين للحساب فى الآخرة: «الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ».

فما أصعب الحياة حين ينسى قسم من الساعين فيها فكرة «الحساب»، إن ذلك كفيل بتحلية كل المفاسد للإنسان، حين يزين له شيطانه أنه غير محاسب على ما يفعل.لو أنك تأملت سورة الكهف فسوف تجد أول آية فيها تقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا».

فكل تعاليم القرآن الكريم تتأسس على قيمتين كبريين: الاستقامة والاعتدال، وهما قيمتان تتضادان بشكل كامل مع فكرة «الاعوجاج» التى يهواها بعض البشر، لذلك كان من الطبيعى أن يصف الخالق العظيم كتابه الكريم بأنه كتاب يهدى إلى الاستقامة والاعتدال: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ».

موقع هواة الاعوجاج هو دائماً على خط الاستقامة، فتجدهم يعارضون ويعرّضون بالفكرة ومن يتبناها أو يسعى فى الحياة بها.

ويبدو -والله أعلم- أن السر فى ذلك يرتبط بتركيبة الإنسان المفسد، فهو يشعر أن الفساد هو الحالة الطبيعية فى الحياة، وقد يتجاوز ذلك إلى الاعتقاد أنه بفساده هذا يصلح ويقوّم الحياة.

وقد قدّم لنا القرآن نموذجاً لبشر ينكرون على من يحاول لفت انتباههم إلى ما هم فيه من فساد، ويردون بأنهم مصلحون. يقول الله تعالى: «إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ».

الباحثون عن الحياة المعوجّة يجدون أنفسهم فى قطع كل طريق مستقيم، لأنهم يريدون أن يروا الناس جميعاً فسدة أمثالهم، فوجود عنصر صالح يضعهم أمام مرآة حقيقتهم، فالضد فى هذه الحالة يظهر قبحه الضد، لذلك أمر الله تعالى المؤمنين به بعدم الوقوف فى طريق الاستقامة، لأن ذلك يعنى ببساطة الرغبة فى زرع الحياة بالاعوجاج.

يقول الله تعالى: «وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا».

الانحراف عما يصلح الحياة يؤدى إلى اختلال التوازن على الأرض، وذلك أخطر ما يصيب أهلها، وأصل التوازن هو الاستقامة، وجوهر الاستقامة هو يرتبط بأداء الأمانات، ويتحقق معنى النجاح فى أداء الأمانات فى الحياة بالعدل ووضع المهام فى يد من يستحقها، بعيداً عن أى معايير أخرى فاسدة: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»..الاعوجاج فى الحياة منشأه غياب العدل وإضاعة الأمانات وتراجع الاستقامة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ويَبْغُونَها عِوَجاً» «ويَبْغُونَها عِوَجاً»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

سيرين عبد النور تتألق بالفستان الأسود بإطلالات تجمع الكلاسيكية والجرأة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt