توقيت القاهرة المحلي 20:42:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحالة «الحرفوشية»

  مصر اليوم -

الحالة «الحرفوشية»

بقلم - د. محمود خليل

لم يستطع أحد أن يصور دنيا الحرافيش وآمالهم وآلامهم كما فعل نجيب محفوظ، ولو أنك طالعت الأسلوب الذى تحدّث به الجبرتى عن «حرافيش المحروسة» خلال تناوله لبعض الأحداث التى شاركوا فيها، وكمّ التحقير والامتهان الغالب على خطابه عنهم، وقارنته بالصور التى رسمها أديب نوبل لهذا القطاع من المصريين فسوف تخلص إلى حقيقة أن «محفوظ» تمكّن من تقديم «عالم الحرافيش» بشكل أكثر موضوعية وعدلاً.

انظر كيف يصف «الجبرتى» شرارة انطلاق ثورة القاهرة الأولى (أكتوبر 1798): «فانتبذ جماعة من العامة وتناجوا فى ذلك، ووافقهم على ذلك بعض المتعممين الذى لم ينظر فى عواقب الأمور، فتجمع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم، ولا قائد يقودهم، وأصبحوا يوم الأحد متحزبين، وعلى الجهاد عازمين، وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح وآلات الحرب والكفاح، وحضر السيد بدر وصحبته حشرات الحسينية وزعر الحارات البرانية ولهم صياح عظيم وهول جسيم ويقولون بصياح فى الكلام: نصر الله دين الإسلام».

فالحرافيش حشرات وزعر (أى بلطجية بالتعبير المعاصر) وغوغاء (أى فوضويين) وفى مواضع أخرى يصفهم «الجبرتى» بـ«المنسر» أى اللصوص وهكذا. وليس هناك خلاف على أن حركة «الحرافيش» غير محسوبة فى أغلب الأحيان، فقد انفجر غضبهم بعد بضعة أشهر من دخول الفرنسيين إلى مصر (يوليو 1798)، وانطلقوا يحطمون ما يلاقونه فى طريقهم، بدا الانفجار مفاجئاً، لكن مؤكد أن أسباباً عديدة كانت تتراكم فى الخلفية تنتظر القشة الشهيرة التى تقصم ظهر البعير.

كان العلماء والمشايخ فى ذلك الوقت جزءاً من طبقة الحكم، لم يرضوا جميعهم بالاحتلال الفرنسى لمصر، لكنهم كعادتهم استسلموا للغالب، وقبل بعضهم الانضمام إلى الديوان الذى شكّله نابليون للنظر فى صالح الأهالى، وبالتالى فقد تكونت لديهم شبكة مصالح أرادوا الحفاظ عليها، لذلك لم يكن لهم أن يقبلوا بسهولة فكرة الفوضى التى تجتاح ما فى طريقها، وتنازعهم إحساسان متناقضان وهم يراقبون خروج الحرافيش فى ثورة القاهرة الأولى، أولهما تشجيع ما يحدث كجزء من حركة تحرير البلاد من المستعمر، وثانيهما الخوف من أن تطال غضبة الحرافيش مصالحهم، وتقلقل أوضاعهم كجزء من طبقة الحكم.

التقط نجيب محفوظ من «الجبرتى» ما يمكن وصفه «بالحالة الحرفوشية» وأعاد رسمها فى صور روائية بديعة كان مسرحها حارته الشهيرة، وهى صور تحكمها معادلة البحث عن فتوة يحمى «المجموع الحرفوشى» من طغيان الفتوة «طبقة الحكم داخل الحارة».

المجموع الحرفوشى يطمح إلى إتاحة الفرصة له لكى يجرى وراء لقمة عيشه بلا مهانة أو إهدار للكرامة، وحمايته من طغيان «رجال الفتوة» الذين يرهقونه بالإتاوات، والعيش تحت مظلة عدل لا تمكّن رجال المال داخل الحارة من استنزاف واستغلال جهد عملهم وتحويله إلى ثروات طائلة. وفى الوقت نفسه لم يهرب «محفوظ» من نقل ما يسود حياة الحرافيش من فوضى، وانعدام الطموح، والرغبة فى الحياة البليدة غير المنتجة كلما واتتهم فرصة لذلك، ناهيك عن صبرهم الطويل ثم انفجارهم لأتفه الأسباب.

تعامل نجيب محفوظ مع الحرافيش من منظور مختلف بعدسة مستوية لا هى محدبة ولا هى مقعرة، مثلما فعل «الجبرتى» حين وصفهم بـ«الحشرات».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحالة «الحرفوشية» الحالة «الحرفوشية»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt