توقيت القاهرة المحلي 06:32:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شارع «الآلام»

  مصر اليوم -

شارع «الآلام»

بقلم - د. محمود خليل

من اللافت للغاية أن يطلق اسم «الصليبة» على شارع ارتبطت به العديد من الأحداث الكبرى فى عهد سلاطين وولاة مصر المملوكية ثم العثمانية ثم العلوية. ويفسر البعض ذلك بالهيئة الجغرافية للشارع الممتد من آخر شارع الخضيرى حتى ميدان القلعة، الذى تكثر فيه التقاطعات الخاصة بشوارع أخرى ممتدة يميناً وشمالاً، مما جعله يأتى على شكل صليب فى العديد من مواضعه، وإذا كان تفسير الجغرافيا كذلك، فقد تجد تفسيراً آخر فيما يتعلق بخطوط التاريخ التى ترتسم على وجه هذا الشارع العريق، تشهد على حالة الذوبان التى تحدث بين المكان والإنسان.

فقد شهد هذا الشارع الكثير من الآلام، بل يصح أن تصفه بـ«شارع الآلام». ففى شارع الصليبة عاش السلطان «طومان باى» آلام الهزيمة بعد أن تمكّن منه السلطان سليم الأول العثمانى وهزمه فى معركة الريدانية 1517، وبين أهله اختفى السلطان المهزوم وأخذ يكر على العثمانيين بالتعاون مع عدد من المماليك والأهالى الذين التفوا حوله، فيما يشبه حرب العصابات. وما أكثر ما كان أهل الشارع يستيقظون -فى مشاهد أخرى- على المعارك الدامية بين جنود الوالى العثمانى والطموح على بك الكبير الذى أراد الاستقلال بمصر عن السلطنة العثمانية.

فى شارع الصليبة شهد الأهالى الزعيم محمد كريم وجنود نابليون يسحبونه لتنفيذ حكم الإعدام فيه وهو لا يملك من أمره شيئاً، غير الصراخ بعبارة «اشترونى يا مسلمين» بأن يدفعوا له الفدية التى اشترطها نابليون ليعتقه من القتل. يقول الجبرتى: «وشقوا به الصليبة إلى أن ذهبوا إلى الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحاً (مصلوباً) وضربوا عليه بالبنادق كعادتهم فيمن يقتلونه، ثم قطعوا رأسه ورفعوها على نبوت وطافوا بها بميدان الرميلة والمنادى يقول هذا جزاء من يخالف الفرنسيس».

فى شارع «الصليبة» شهد الأهالى مواكب المماليك وهى تتدفق إلى المذبحة التى نصبها لهم محمد على فى القلعة، وسمعوا طلقات البارود وهى تدوّى ورأوا دماء المماليك وهى تتقاطر من فوق أسوار القلعة. وشهد بعض أهله أيضاً «أمين بك» المملوك الوحيد الناجى من المذبحة بعد أن قفز بحصانه من فوق سور القلعة، وقفز من فوقه قبل أن يرتطم بالأرض.

فى حى الصليبة عاش الزعيم مصطفى كامل الذى اختلطت فى قلبه محبة الوطن بخيوط الألم. وظل يدافع عن حق مصر فى الاستقلال وينادى بجلاء الإنجليز عن أرضها ولا يأبه لقلبه الواهن الضعيف، حتى بلغ لحظة لم يستطع فيها الصمود فسقط من الألم والإعياء وقابل وجه ربه.

يُنكر بعض الأثريين مسألة تسمية الشارع العريق بـ«الصليبة» ويقولون إن المستشرقين هم من أطلقوا عليه هذا الاسم، ويرون أن الشارع يأخذ شكل «التربيعة»، لكن حقيقة جغرافية الشارع تقول إنه بالفعل «صليبة»، ومن عجب أن جغرافية الشارع صادقت تاريخه بشكل يدعو إلى التأمل، تدرك ذلك بوضوح كلما قربت العدسة من أى ذرة من ذرات هذا المكان وستجد أنها تحكى قصة ألم عاشها المصريون عبر تاريخهم المديد.

إنه الألم الواحد الذى صهر كل من سار فوق تراب أى شارع من شوارع المحروسة ولم يستثن وهو يضرب أبناء المحروسة أحداً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شارع «الآلام» شارع «الآلام»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:23 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

سلك مزود بمستشعرات يحدد نوع السكتة الدماغية
  مصر اليوم - سلك مزود بمستشعرات يحدد نوع السكتة الدماغية

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt