توقيت القاهرة المحلي 21:21:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الولد يواجه «الغول»

  مصر اليوم -

الولد يواجه «الغول»

بقلم - د. محمود خليل

أول ما أدركه الخديو عباس الثانى أن المصريين لا يميلون فى العادة إلى التفاصيل، ولا يشغلون أنفسهم بها، إنهم يريدون فى الأغلب مجموعة من الشعارات العامة البراقة التى لا تجهد العقل فى التفكير من ناحية، وقادرة على دغدغة الوجدان من ناحية أخرى.

لم يكن هناك شعار أكثر قدرة على سرقة عقل ومغازلة وجدان المصريين، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، من شعار «الجلاء»، أى جلاء الإنجليز عن مصر، وأن تكون مصر للمصريين.

كان المصريون بعد احتلال بلادهم على يد الإنجليز عام 1882 يعيشون إحساساً عميقاً بالمرارة، انقسموا قسمين؛ الأول باكٍ على الثورة العرابية وعلى «الولس الذى كسر عرابى» ويلصق بالخديو توفيق تهمة تسليم البلاد للإنجليز، وقسم لاعن للثورة التى قادها زعيم الفلاحين وما أورثته للبلاد من نكسات.

حالة تشتت كان يعيشها الشعب المصرى حينذاك، لا تقل ضراوة عن حالة التشتت التى كان يشعر بها عباس حلمى نفسه. فقد راح يتهم الجميع بقتل أبيه وهو فى الأربعين من عمره. فما أصابه من أمراض أدت إلى وفاته سببها الضغوط التى مارسها عليه العرابيون والإنجليز والباب العالى.

يحكى الخديو فى مذكراته أن صحة أبيه انهدت بسبب ما مورس عليه من ضغوط من جانب عرابى والإنجليز والباب العالى، وأنه رأى أن يستسلم لهذه الضغوط حماية للبلاد من الوقوع فى براثن حرب أهلية. لكنه فى المقابل كان يتعذب بإحساس إلصاق تهمة الاحتلال الإنجليزى لمصر لأبيه أو بعهد أبيه فى أقل تقدير.

الواضح أن هذا الأمر كان يؤرقه للغاية، لذلك فقد اختار طريقه منذ السنوات الأولى لحكمه بأن يظهر فى صورة العدو الشرس للإنجليز، والرجل الذى يريد أن يتم الاستقلال على يديه، ويبدو -والله أعلم- أن إحساساً كان يخالجه بأن ذلك هو السبيل الوحيد لغسل سمعة أبيه من ناحية، ومن ناحية أخرى تحقيق حلمه فى الاستفراد بمصر. وكانت أولى الخطوات التى اتخذها فى هذا السياق هى التخلُّص من وزارة مصطفى باشا فهمى، السياسى المنحاز للإنجليز والمدافع عن وجودهم فى مصر، وهو ما أغضب المعتمد البريطانى -اللورد كرومر- بشدة، ومنذ هذه اللحظة بدأ التوتر بين الرجلين حتى انتهى بعزل الخديو.كان يكفى جداً أن يسمع المصريون حاكمهم الشاب يتحدث عن «استقلال مصر» و«جلاء الإنجليز عن أراضيها» حتى ينبهروا ويهيموا به حباً، فما دام يتحدث عن «الجلاء والاستقلال» فمؤكد أنه حاكم وطنى من طراز رفيع، يقول كلاماً لم يسبق للناس أن سمعته من «توفيق» الذى سلَّم البلاد -من وجهة نظر قطاع منهم- للإنجليز حتى يحمى عرشه، ها هو الولد يواجه الغول الإنجليزى غير آبه بالعواقب، حتى ولو كان ثمن المواجهة عرشه.. هل هناك إبهار أكثر من ذلك؟

لم يهتم الناس بعد ذلك بالتفاصيل، فليس يهم أن يكون دفاع الخديو عن استقلال مصر أساسه التبعية للدولة العثمانية، وأن مصر ولاية عثمانية، وليست محمية إنجليزية، ولا يهم أن يكون الهدف من الاستقلال هو استفراد الخديو الشاب بحكم المصريين. هذه التفاصيل لم يكن يتوقف أمامها البسطاء من المصريين الذين أعجبتهم حماسة الخديو الشاب لإخراج الإنجليز من مصر، ولا تسأل عن التفاصيل، وقد تدعمت هذه الرؤية الشعبية حين رأوا النخب المصرية تقول بما يقول به الخديو فى حالة تناغم فريد، ولم يسألوا أيضاً عن التفاصيل التى تقول إن النخبة تتبنى نفس الرؤية التفصيلية للخديو بتحرير مصر من الإنجليز لإعادتها إلى حوزة الأتراك.

الحقيقة التاريخية تقول إنه لم يخلد فى العقل والوجدان الشعبى شىء من تفاصيل تجربة زعيم مثل مصطفى كامل «صديق عباس حلمى»، بل اكتفت الأجيال المتتالية من المصريين بتناقل شعاره الذى يقول: لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الولد يواجه «الغول» الولد يواجه «الغول»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt