توقيت القاهرة المحلي 16:54:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فوق التراب وتحته

  مصر اليوم -

فوق التراب وتحته

بقلم - د. محمود خليل

اندمج «سليم» في اللعبة.. لم يكن ولده «آدم» يعتبر الأمر أكثر من لعبة. قال فى البداية إن أباه بدأ يبحث عن «عظام أبيه» عندما استرد خاتم «آدم الكبير» وعكف على قراءة كتبه التى تتناول الروح وعالمها، لكن الوقت حمل إليه حقيقة ما يحدث.. لقد أعجب الأب بغرابة الموضوع وأراد أن يستثمر «ورثته» عن أبيه، فارتدى ملابسه القديمة بما تحمله من عبق وتاريخ، وجلس أمام الكاميرا وراح ينتج الفيديو تلو الآخر، يتحدث فيه بكلامه المثير حول عالم الروح وتحضير الأرواح.. دخل عليه «آدم» ذات يوم وقد انتهى من إعداد آخر فيديوهاته وقال له:

- آدم: (مبتسماً): واضح إن اللعبة عجبتك.

- الأب (ضاحكاً): ده شغل يا واد.. انت لسه تلميذ.. أنا دلوقتى أشهر معالج روحانى فى المنطقة.. والدنيا زهزهت.. والزهر لعب.

- آدم (بحزن): سبت الحقيقة ومسكت فى الوهم.

- الأب: بطّل كلام العواجيز ده يا واد.. حقيقة إيه ووهم إيه.. الحقيقة الوحيدة فى الدنيا هى الفلوس.

- آدم: حتى لو هتيجى بالتخريف؟

- الأب (ساخراً): خلاص.. الأرواح بقت تخريف؟.. الله يرحم.. ده انت من كام شهر كنت بتهوهو فى وشنا لما نقول لك كده.

- آدم: يا والدى الروح حقيقة.. والتواصل بين الأرواح حقيقة لما ربنا بيريد.. إنما الاتصال بالأرواح اللى انت بتخدع بيه الناس هو اللى تخريف.

- الأب: انت حاقد عليه يا واد؟.

- آدم (باستغراب): حاقد عليك؟!.

- الأب: أيوه.. عشان فيديوهاتى جايبة ترافيك.. وبلم بيها فلوس أد دماغك.. مش فيديوهاتك اللى محدش بيشوفها.

- آدم (بحزن): الحقيقة مالهاش سوق..

(ثم ضاحكاً): خدعتنى يا والدى كنت فاكرك بتدور على «عضم أبوك».بينه وبين نفسه كان «آدم» يعرف أن أباه يحترم ذكرى جده.. ويؤمن أن البشر جميعاً يحترمون عظام موتاهم.. توقف كثيراً أمام تلك الشخصية التى نحتها «جارثيا ماركيز» فى روايته «مائة عام من العزلة».. شخصية «ربيكا».. تلك الفتاة التى اقتحمت أسرة «جوزيه» و«أمارنتا» وهى تحمل صندوقاً يحوى عظام أبيها وأمها، بعد أن قررت الهجرة من مسقط رأسها إلى أرض جديدة، فأصرت على حمل عظام راحليها معها.. فكيف تعيش فى وطن لا يستقر عظام أبيها وأمها فى ترابه؟.

المسألة لم تكن فى العظم فى ذاته بل فى رمزيته.. إنه تعلق بالأرواح التى ذهبت واستقرت تحت التراب من جانب روح لم تزل تسعى فوقه.

عظام الأب والأم المستقرة فى الصندوق الذى دخلت به «ربيكا» إلى قرية «ماكوندو» حمل معنى خاصاً لم تكن تفهمه إلا تلك الأعجمية التى كان لها عادات غريبة فى الطعام والشراب والحديث، فبدت غريبة بينهم، لكنهم توحدوا معها وتوحدت معهم فى الولاء لعظام الأجداد.

لقد فهم آدم الجملة التى كتبها جده فى أحد كتبه وقال فيها: «إن الجسد كساء مؤقت فلا تكترث الروح به أكثر من اكتراث السجين بسلاسله».. إنها مسألة تتعلق بالشعوب القديمة التى تفوز فيها الروح على الجسد، والموت على الحياة، والآخرة على الأولى.

نظر فى المرآة ثم تخيل نفسه وهو يدخل بيته حاملاً صندوق جده لأول مرة، فوجد فيها «ربيكا» وهى تدخل «ماكوندو» لأول مرة حاملة صندوقاً يحتضن عظام أمها وأبيها.

اكتشف «آدم» روحه فى «العزل».. مثلما اكتشفت «ربيكا» روحها فى «العزلة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فوق التراب وتحته فوق التراب وتحته



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt