توقيت القاهرة المحلي 15:03:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المتدين المثالي

  مصر اليوم -

المتدين المثالي

بقلم - د. محمود خليل

تسيطر شخصية «عاشور الناجى» على الحكاية الأولى من حكايات الحرافيش للمبدع الراحل نجيب محفوظ، بحكم أنه بطلها، لكن ثمة شخصية أخرى تستحق التأمل داخل الحكاية، وهى شخصية «الشيخ عفرة زيدان»، الرجل الذى عثر على «عاشور الناجى» إلى جوار السور العتيق للتكية، فالتقطه وتبناه ورباه فى كنفه.صورة جليلة رسمها نجيب محفوظ للإنسان المتدين أو للمتدين المثالى عبر شخصية الشيخ «عفرة».

فهو شخص صابر على الابتلاء، وقد ظهر ذلك فى أمرين، أولهما الصبر على فقد البصر، والثانى الرضاء بقضاء الله حين تزوج من امرأة عقيم لم تنجب له أولاداً. صبر «الشيخ عفرة» كان مشفوعاً بالرضاء بقضاء الله وقدره، لا يشوبه أى إحساس بالغضب، لأنه ببساطة يرى أن سعادة الإنسان فى الحياة ليس مصدرها أسباباً من الدنيا، بل تنبع من القلب المؤمن.

كان الشيخ «عفرة» يرى سعادته فى أناشيد البهجة التى يرددها فى التكية، وفى الصلاة فى مسجد الحسين، وفى حفظ وتحفيظ وتعليم كتاب الله للصغار، وفى إرضائه سبحانه وتعالى.. فالقلب المؤمن يرى سعادته فى التعلق بالله.

تجد أيضاً فى صورة «الشيخ عفرة زيدان» تجسيداً لحال المتدين المثالى -من وجهة نظر نجيب محفوظ- فى علاقته بالآخرين، فهو يسعى بينهم كالريح الطيبة، التى تبث الخير أينما تحل، يرعى ضعيفهم، وينصح عاصيهم بالحسنى، ويعلمهم الرضاء بعطاء الله، وأن عطاءه سبحانه وتعالى هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وأن لكل حظه فى الحياة، وهو لا يزيد أو ينقص عن حظ غيره، وأن الإنسان يهتز حين يستحوذ عليه شيطانه فيصور له أن نصيبه فى الحياة أقل من غيره، فيدفعه إلى الحقد والحسد على الغير، وأن الإثم محله القلب، مثل الرضا تماماً، وأن القلوب تدفن فى ظلمة الإثم، لتجعل من الإنسان تمثالاً حجرياً، لا يشعر ولا يحس بما حوله ومن حوله، وأن الرضا يحيى أنوار القلب، ويمنح صاحبه السعادة فى الدنيا والآخرة.

ولا تعنى طيبة الشيخ «عفرة» ضعفاً أو عجزاً عن مواجهة الشر أو أصحابه، على العكس تماماً، فقد امتلك قوة مذهلة فى مواجهة أعتى العتاة داخل الحارة، بما فى ذلك «الفتوة» المتجبر الذى كان يخشاه ويخافه الجميع، وهو الرجل العجوز الكفيف المتهالك الذى لا يجيد استخدام عصاه إلا كأداة لتحسس طريقه فى الظلام الأبدى.

آمن الشيخ أن القوة لا بد أن تكون فى خدمة الناس وليس فى خدمة الشيطان، لذلك واجه الفتوة بالرفض الحاسم، حين طلب منه دفع الإتاوة، مثله مثل سكان الحارة، وعلّم عاشور الناجى ألا يدفعها، لأن الإتاوة حرام على من يدفعها وحرام على من يأخذها، أما الزكاة فحق يعرفه المؤمن فى ماله، ويدفعها القادر لغير القادر.

من يقرأ سيرة «الشيخ عفرة زيدان» فى حكاية «عاشور الناجى» قد يظن أن الرجل لم يترك أثراً بعد رحيله، فهو لم يخلّف فى الحياة ذكراً أو أنثى، وكلامه الطيب الذى كان ينصح به الآخرين ذهب فى الأغلب أدراج الرياح، حين لم يجد أذناً تسمعه، لكن المسألة بدت غير ذلك، لأن ربيبه، عاشور الناجى، الوحيد الذى كان يسمعه ويتمثل كلامه فى قلبه، تمكن وحده من أن يعيد رسم مصير الحارة، وكان ترجمة للقول الشريف: لأن يهدى الله بك رجلاً خير من الدنيا وما فيها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المتدين المثالي المتدين المثالي



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt