توقيت القاهرة المحلي 10:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وجع النفس.. و«المعدة»

  مصر اليوم -

وجع النفس و«المعدة»

بقلم - د. محمود خليل

جمعت أكثر من آية كريمة من آيات القرآن الكريم بين «الجوع والخوف».. مثل قوله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».. ويقول: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ».. ويقول: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ».

ثمة حكمة إلهية فى الجمع بين الجوع والخوف.. فالخوف من الجوع هو أكثر أنواع الخوف التى يكابدها الإنسان فى الحياة، ووجود الجوع يعمق إحساس الإنسان بالخوف والهلع، فحين يتضعضع جسد الإنسان ينهدّ إحساسه، والخوف لدى البعض يولّد لديهم إحساساً بالجوع، لذا تجد أحدهم يردد بشكل آلى وتلقائى حين يخاف: «أنا عاوز آكل».. وكأن الطعام يمنحه إحساساً بالطمأنينة.

الشىء اللافت أن تجارب البشر تقول إن الجوع والخوف قرينان، إذا حضر أحدهما ظهر الآخر، وإن اختفى توارى القرين إلى الظل. فالمجتمعات الثرية التى لا تعانى مشكلات على مستوى احتياجاتها الأساسية أكثر اطمئناناً واستقراراً، وأفرادها أكثر تصالحاً مع الحياة، وأميل إلى الإضافة إلى معطيات الحياة، فى حين أن المجتمعات الجائعة أو التى تعانى على مستوى توفير حاجاتها الأساسية يتمكن منها ويسكن أفرادها إحساس بالخوف. على هذا الأساس يصح أن نفهم حكمة الخالق العظيم حين أمر قبيلة قريش بعبادته، بعد أن يسّر لهم أسباب الثراء، التى أمّنت حاجاتهم الأساسية وأشبعت بطونهم، وولّدت لديهم شعوراً بالأمان وعدم الخوف من أى تهديد خارجى، بسبب قوة شوكتهم، واحترام القبائل الأخرى لهم.

فتأمين حاجات الجسد يؤدى إلى طمأنينة النفس، وخلو البال، والبراءة من الخوف. حدث ذلك فى القرية التى تحدث عنها القرآن الكريم، والتى عاشت سنين آمنة مطمئنة، وكان السر فى اطمئنانها حالة الثراء التى نعمت بها، والرزق الوفير الذى كان يأتيها من مصادر متعددة ومتنوعة، لكنها لم تشكر نعم الله عليها، وتعالت بها على واهب النعم، فكانت النتيجة أن أذاقها الله تعالى مرارة الابتلاء المزدوج «الجوع والخوف»، وما أجمل التعبير القرآنى الذى يقول «فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»، وكأن الجوع والخوف يلف أهل هذه القرية ويشملهم كما تلفهم وتشملهم ملابسهم.

وليس الجوع والخوف -فى كل الأحوال- دليلاً على تقصير البشر فى حق الخالق أو فى حق أنفسهم، فقد يكونان ابتلاءً من الله لعباده، واختباراً لقدرتهم على الصبر والتحمُّل وتقبُّل أقداره سبحانه وتعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ». ولعلك تلاحظ أن الوجع النفسى «الخوف» سبق الوجع الجسدى «الجوع» فى الآية الكريمة.. كما أن الله تعالى أشار إلى أن الابتلاء فى هذه الحالة يكون جزئياً وليس كلياً: «شىء من الخوف والجوع»، فالله تعالى رحيم بعباده، ويعلم مدى قسوة ابتلاء الجوع والخوف، وبالتالى فعندما يضرب بهما شخصاً أو مجتمعاً فالضربة هنا تكون جزئية «بشىء» لأن الابتلاء هدفه الارتقاء بالشخص وليس تدميره. الضربات الكلية بالخوف والجوع يوجهها البشر لبعضهم البعض، فبعضهم لا يهمه تدمير غيره عن طريق إيلامه بالجوع وزلزلة كيانه بالخوف.

اللهم خفف عن كل جائع وخائف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وجع النفس و«المعدة» وجع النفس و«المعدة»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt