توقيت القاهرة المحلي 00:25:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«عمرو» يصف مصر

  مصر اليوم -

«عمرو» يصف مصر

بقلم - د. محمود خليل

لا يدرى أحد ما السر وراء شغف العرب الأوائل بالتقليل من شأن المصريين، والاجتهاد فى أن يثبتوا لأنفسهم أنهم أفضل منهم وأعلى كعباً.. هذا الطرح تجده حاضراً منذ اللحظات الأولى لسيطرة العرب على مصر وحكمها، وظهرت تجلياته فى ذلك الطلب الشهير الذى كان كثيراً ما يطلبه كبار أهل الجزيرة من كل من رأى هذا البلد: «صف لى مصر».. وأقدم وصف يمكن أن تجده فى هذا السياق ذلك الذى يقول: «مصر نيلها عجب.. وترابها ذهب.. ونساؤها لعب.. ورجالها طرب.. وهى لمن غلب».لا أحد يعرف على وجه التحديد من قائل هذه العبارة، والتى جاءت فى صياغات متنوعة، وأوردها المقريزى فى «خططه»، وأشار إليها المسعودى فى «مروج الذهب».

البعض ينسبها إلى عمرو بن العاص، ويشير إلى أنه صاغها فى مقام «وصف مصر» لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه. أياً ما كان الأمر فقد شاعت هذه العبارة وانتشرت فى وصف مصر، وفى كل الأحوال، فإن قائلها شخص عربى أراد أن يشرح من خلالها خصال المصريين وأخلاقياتهم.والناظر إلى الوصف السابق يلاحظ أنه يعتمد على الاحتفاء بالأرض، والإساءة إلى البشر.

نيل مصر عجب، تلك حقيقة لا مراء فيها، وتقرير لواقع جغرافى يعرفه القاصى والدانى، وأما أن أرضها ذهب، فتلك حقيقة أخرى، ولو أننا عبرنا على ما تختزنه أرض مصر فى باطنها من ثروات، وما كان يروج على سطحها من خصب، فيكفى أن نسترجع الكنوز الأثرية الدفينة فى كل شبر من أشبارها، الأمر الذى جعل مصر تحوز ما يقرب من ثلثى ثروة العالم من الآثار.

تعال بعد وصف الأرض إلى ما تحمله العبارة من وصف للبشر، فهى تصف نساء مصر بـ«اللعب»، وهو وصف يحمل فى طياته دلالات إيجابية، وأخرى سلبية، فأما الإيجابى فيرتبط بما تتمتع به المصرية من أنوثة، وأما السلبى فيرتبط بما يحمله وصف اللعب، من ميل إلى العبث، والعلاقات العابثة. ورجال مصر من وجهة نظر قائل هذه العبارة «طرب»، أى أنهم محبون للاستماع إلى الغناء، مولعون بالكلمة الأخاذة، والنغم العذب.

وظنى أن العربى قائل هذه العبارة حاول أن يدمغ المصريين بمحبة اللهو، لأن العقلية البدوية تربط باستمرار بين «السمع» و«اللهو»، لكن يكفى فى هذا السياق أن نشير إلى أن رجال مصر «الطرب» هؤلاء، كانوا خير من قرأ القرآن الكريم تلاوة وتجويداً، ولعلك تعرف العبارة الشهيرة التى تقول: «نزل القرآن فى مكة، وطبع فى إسطنبول، وقرأ فى مصر».

نأتى إلى جملة: «وهى لمن غلب»، وقد أراد قائلها أن يبين من خلالها أن المصريين عبيد لمن يغلبهم على أمرهم، وأنهم شعب مغلوب على أمره. قد يكون لهذه العبارة معنى إذا تحدثنا عن طبائع الشعوب بشكل عام، فأى شعب فى الدنيا، بما فى ذلك شعوب الدول المتقدمة، مغلوب على أمره أمام من يتسلط عليه، بل إن إنسان المعمورة فى هذا العصر - وكل عصر- مغلوب على أمره أمام آحاد من البشر يسيطرون على مقدراته ويتحكمون فى حياته، ولكن تخصيص الحديث عن المصريين كشعب مغلوب على أمره، هو الهزل بعينه، ولربما كان المصريون من أكثر الشعوب تمرداً على من يتسلط عليهم، ويأخذ تمردهم أشكالاً عدة، تبدأ من النكتة والسخرية ممن يظلمهم، وتنتهى -فى أحوال- بالعصيان والثورة عليه.

والمصرى عندما يسكت على وضع سيئ ويخضع له، لا يعبر فى ذلك عن حالة «غُلب»، بل عن رضاء بما هو سيئ خوفاً من أن يأتيه الأسوأ، هكذا علمته حكمة التاريخ المديد الذى عاشه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«عمرو» يصف مصر «عمرو» يصف مصر



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt