توقيت القاهرة المحلي 10:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحلة «العبد الشكور»

  مصر اليوم -

رحلة «العبد الشكور»

بقلم - د. محمود خليل

تجربة شديدة الثراء تقدمها لنا قصة نبى الله نوح، عليه والسلام، تجربة عامرة بالمعانى والدلالات حول هذا الإنسان الذى عاش، كما لم يعش غيره من البشر، فمكث على وجه الأرض ما يقرب من 10 قرون، وتقلبت عليه عدة أجيال من البشر، وانقسم عليه أهله ما بين مؤمن به وناكر لدعوته، وكان من الناكرين له ابنه الذى خرج من صلبه، وجعله قومه أضحوكة، حين لجأ إلى صناعة سفينة النجاة، كما ارتبط بتجربته حدث فريد فى تاريخ البشرية وهو حدث الطوفان الذى أغرق الأرض بما عليها ومن عليها، لتبدأ صفحة جديدة فى تاريخ الإنسانية.شخصية كانت حياتها بهذا الثراء لا بد أن يكون لها مفتاحها الخاص، وقد كان مفتاح شخصية نبى الله «نوح» هو شكر الله: «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا».

كان نوح عبداً شكوراً. والشكر -كما تعلم- يعنى ظهور أثر نعم الله على عبده. أعطى الله تعالى نوحاً نعمة العمر فاستثمره فى الدفاع عن الوحدانية والحياة الصالحة المستقيمة، التى لا يخضع فيها إنسان لإنسان مثله، ولا يعبد فيها بشراً صنماً صنعه بيديه. أعطاه الولد فرباه على الإيمان، ولما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، أخلص لقومه وحاول إصلاحهم وصبر وتحمل فى سبيل ذلك الكثير.

لم يكن شكر «نوح» لربه مجرد كلمات يرددها بلسانه، يحمد ربه فيها على نعمه، بل كانت عملاً وإصلاحاً للواقع الذى يعيش فيه، فالشكر عمل وليس مجرد قول: «اعملوا آل داود شكراً». والشكر صبر «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ». وقد تحمل «نوح» من قومه ما لا يتحمله بشر، ورغم ذلك صبر عليهم، كان يلتقط الوليد وهو غض طرى، ويعلمه الوحدانية والإيمان بالله الواحد الأحد، وما إن يكبر ويشب عن الطوق حتى يكفر بخالقه، ويغرق مع قومه فى عبادة الأصنام، ورغم ذلك واصل نوح الدعوة إلى ما يؤمن به فى دأب وأمل، ولم يتوقف إلا عندما جاءه إعلان من الله بالتوقف: «وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ».عاش «نوح» عبداً شكوراً وسط مجتمع وثنى تتعيش أجياله على الكفر بالله. وقد جعل الله تعالى الكفر نقيض الشكر فى القرآن الكريم. تجد ذلك فى قوله تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا»، وقوله: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ».

كان شكر «نوح» لربه علامة إيمانه، وشكر الله هنا تجسد فى تحرير الإنسان من الفكر الوثنى وما يجره على الحياة من ويلات، فالوثنية مفتاح لشرَّين كبيرين يضربان المجتمعات: الاستبداد والفساد. تجد ذلك فى كل المجتمعات الوثنية. فى المجتمع المكى -على سبيل المثال- سادت، عند بعثة النبى، محمد صلى الله عليه وسلم، العبودية، وانقسم المجتمع إلى طبقات يستعبد بعضها بعضاً، واستبدت أوليجاركية التجار بمن عداها فأذلت وأضلت، وانتهى بها الأمر إلى رفع الأصنام على الكعبة، ليس إيماناً بعبادتها، فقد كانوا يدركون أن الله تعالى هو خالق السموات والأرض، ولكن تكريساً لمصالحهم لدى القبائل العربية الأخرى التى تدين بالولاء لقبيلة قريش، ودفاعاً عن مواقعهم كمسيطرين على طائفة العبيد والموالى والفقراء من أهل مكة، الذين قدسوهم كرموز، مثلما قدسوا أوثانهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحلة «العبد الشكور» رحلة «العبد الشكور»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt