توقيت القاهرة المحلي 02:03:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين تعيش الأفكار

  مصر اليوم -

حين تعيش الأفكار

بقلم - د. محمود خليل

 

إشارة عجيبة لفت الرجل المؤمن من آل فرعون انتباه أهل مصر إليها، وهو يحذرهم من مخاطر مواجهة موسى عليه السلام، فقد ذكّرهم بالنبى السابق عليه والذى يعرفه أهل البلاد جيداً، وهو نبى الله يوسف.. يقول الله تعالى: «وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ باِلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ ممَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ».

تشير هذه الآية إلى جانب شديد الإثارة فى قصة نبى الله يوسف مع أهل مصر، فقد حظى بينهم بمكانة كبيرة بعد أن ساعدهم على مواجهة خطر المجاعة الذى كاد يعصف بهم، ووضع لهم خطة ناجحة اعتمدوا عليهم فى قهر شبح الجوع خلال السنوات السبع العجاف، وأدار مالية مصر بمنتهى الكفاءة، وسلم له البلاط الفرعونى بالقيمة والتميز فى إدارة أمور الدول.

يشير «ابن كثير» فى تفسيره للآية الكريمة السابقة إلى أن أهل مصر أطاعوا «يوسف» فى دعوته للوحدانية، لمجرد الوزارة والجاه الدنيوى، لكن طاعتهم له على المستوى الدينى كانت مشوبة بالريبة: «فَمَا زِلْتُم فى شَكٍّ مما جَاءكُم به»، لكن بعد رحيله اختلفت نظرتهم إلى أفكاره وأصبحوا أكثر احتفاءً بها لفترة من الوقت، لكن سرعان -رغم تمجيدهم للشخص- أن عادوا إلى سابق عهدهم، وتقبلوا تأله فرعون على الله، وأطاعوه فى ضلاله.

كأن الموت يمنح الأفكار حياة بعد رحيل صاحبها، ويبدد الشك الذى أحاط بها وهو على ظهر الدنيا، ذلك على وجه التقريب ما يحدث مع الكثير من المصلحين. وقد كان جمال الدين الأفغانى يردد أن الأديب فى الشرق يموت حياً، ويحيا ميتاً، فى إشارة لموقف المجموع مما يطرحه أى مجدد أو مصلح من أفكار، إذ تقابل بالشك والريبة فى حياته، ثم سرعان ما تأخذ زخماً وقيمة بعد رحيله.

أراد الرجل المؤمن من آل فرعون أن يذكّر أهل مصر بموقفهم من نبى الله يوسف، وهم يشككون فى نبى الله موسى، عليهما السلام، والتذكير بالقوانين التى تحكم العقل حين يفكر هى أقصر الطرق إلى الإقناع، لأنها تضع المرء أمام مرآة نفسه، وتكشف له ارتباك تفكيره، وذلك بالضبط ما فعله الرجل الرشيد، مؤمن آل فرعون، وهو ينصح المصريين.

تحتاج المجموعات البشرية إلى تلك النوعية من الإصلاحيين من حين إلى آخر، فهم يؤدون أدواراً شديدة الأهمية، لأنهم يخرجون من رحم الجماعة، وينصحونها من داخلها، وتتدفق نصائحهم بوعى كامل بالتركيبة العقلية والنفسية لأفراد المجموع، وإن لم تكن النصيحة فى مثل هذه الأحوال مؤثرة فسوف تكون موجعة، مثلما كان حال الرجل المؤمن مع قومه، فقد كانت نصيحته لهم موجعة، وربما يكون بعضهم قد تذكرها فى اللحظة التى ساقهم فيها فرعون إلى الهلاك.

لقد ألقى مؤمن آل فرعون بالنصيحة واكتفى بذلك، ولم يجبر أحداً على شىء، وكان ذلك أيضاً من الرشد فى التفكير والأداء.. فصاحب النصيحة لا يجبر غيره عليها، إنما ينصح ثم يفوض أمره إلى الله، لأن الهدى هدى الله.. بهذا المعنى اختتم مؤمن آل فرعون خطابه لقومه: «فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تعيش الأفكار حين تعيش الأفكار



GMT 10:30 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

GMT 10:28 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

حزيران 1967 وحزيران 2026

GMT 10:26 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

GMT 10:23 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

GMT 10:20 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

هل تغيرت نظرة عقل الدولة للأحزاب؟!

GMT 10:18 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

من الشاه إلى الآيات

GMT 10:03 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كيف قطفت إيران ثمرة فلسطين؟!

GMT 10:01 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

الأزمة الحاليّة وآثارها الاقتصادية العالمية

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 10:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 11:21 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 19:46 2025 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

الاتحاد السكندري يفاوض إلياس الجلاصي لضمه في يناير

GMT 20:58 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

فريق "بنات يد الأهلي مواليد 2000" يُتوج بكأس مصر

GMT 17:39 2019 الجمعة ,25 كانون الثاني / يناير

إليك ديكورات ملونة خاصة للمراهقين من الجنسين

GMT 18:19 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز إهتمامات الصحف البريطانية الصادرة الإثنين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt