توقيت القاهرة المحلي 12:19:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الروح حين تضيء

  مصر اليوم -

الروح حين تضيء

بقلم - د. محمود خليل

معادلة لافتة تحملها الآية الكريمة التى تقول: «اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ»، معادلة تقول إن «القوة تخرج من رحم الضعف.. والضعف يخرج من رحم القوة».

فالضعيف يصح أن يصبح قوياً، والقوى قد يتحول إلى ضعيف. ولو أنك لاحظت الآية الكريمة جيداً فستجد أن كلمة ضعف جاءت 3 مرات، فى حين جاءت كلمة القوة مرتين، وكأن الله تعالى أراد أن يقول إن الأصل فى الحياة هو «الضعف»، وإن «القوة» حالة طارئة. فالمادة التى خلق الله تعالى الإنسان منها هى الضعف، وبالتالى فأصل هذا المخلوق البشرى من ضعف، ومهما طال حجم أو زمن القوة به فلا بد أن يؤول إلى الضعف. وصدق الله العظيم إذ يقول: «وخُلقَ الإنسانُ ضعيفاً».

رحلة الإنسان فى الحياة بدأت من ضعف (تراب وماء)، وحين خالطت روح الله المخلوق الذى سوَّاه الله من طين، اكتسب القوة والقدرة على التطور، فسار من الضعف إلى القوة، والقوة هنا هى قوة الجسد، لأن الضعف الذى يليها جوهره شيخوخة الجسد وما يعترى الإنسان خلاله من وهن: «قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياً»، أما الروح فتقوى حين يضعف الجسد، وتضعف حين يقوى.

وقد وصف القرآن مشهد غطرسة القوة التى يعيشها الشاب قوى الجسم ضعيف الروح، فى مواجهة الكبار واهنى الجسد أقوياء الروح، وذلك فى الآية الكريمة التى تقول: «وَالَّذِى قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ». فالشاب المعافى المتعافى تغره قوته، ويمنحه شبابه إحساساً وهمياً بالبعد عن الموت، فينكر وجود الخالق العظيم، ويرفض الإيمان بالبعث والحساب. وفى مواجهته يقف الأب والأم الواهنان جسداً والأقوياء روحاً، تستغيث كل ذرة فى كيانهما بالله، ويحذران الشاب الواهم من الكفر والويلات التى يمكن أن تترب عليه، فيرد بلسان غروره: «إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ».

وفى سورة «لقمان» تجد مشهداً يجلس فيه الأب، الفانى جسداً المضىء عقلاً وروحاً، وأمامه ابنه القوى جسداً الضعيف عقلاً وروحاً يستمع إلى نصائحه حول أسس الحياة السليمة. وفى هذا الحوار تجد حضوراً جوهرياً لخمس أفكار، الأولى فكرة الوحدانية: «يَا بُنىَّ لا تُشركْ بالله».. والثانية فكرة طاعة الوالدين «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ».. والثالثة فكرة قدرة الله: «يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ».. والرابعة فكرة الصلاة والأمر بالمعروف والنهى عنه المنكر: «يَا بُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ».. والخامسة فكرة التواضع والاعتدال فى العلاقة بالناس «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ».

هذه الأفكار تقدم لك 5 مؤشرات على إضاءة الروح وخفوت الجسد، فميل الإنسان نحو التسليم بوحدانية الله، وأنه وحده الذى يملك له النفع والضر والموت والحياة والنشور يزيد مع التقدم فى العمر، كما يدرك الكبير قيمة طاعة الوالدين أكثر من صغير السن، والإيمان بقدرة الله تزداد مع العمر، حين يضعف الإنسان ويعلم أنه لا قوة إلا بالله، ويتوازى مع ذلك اتجاهه إلى الصبر والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والاعتدال مع الناس والقصد فى الأشياء.. كذلك تفعل الروح بالإنسان حين تضىء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الروح حين تضيء الروح حين تضيء



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt