توقيت القاهرة المحلي 17:20:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الكارهون للنصيحة

  مصر اليوم -

الكارهون للنصيحة

بقلم - د. محمود خليل

عاش نبى الله «نوح» عبداً شكوراً، منحه الله العلم والبصيرة، فانطلق ينصح قومه، ويجتهد فى تصحيح مسيرتهم، لكنهم رفضوا، ومشوا إلى مصيرهم.

وجّه «نوح» خطابه إلى قومه، قائلاً: «قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ».

جاء «نوح» إلى قومه بالحقيقة المشفوعة بالحجة، لأنه امتلك عقلاً واعياً، وتحرّك على قومه مدفوعاً بعاطفة رحيمة يكنها لهم، ورغبة مخلصة فى أن ينجيهم من الغرق فى مستنقع الوثنية.

كل شىء كان واضحاً أمام قوم «نوح»، لكنهم تعاموا عن الواقع، وكذلك شأن المجتمعات المحكوم عليها بالضياع، ترى الحقيقة فى كل شىء حولها، لكنها تغفلها وتتعامى عنها وتنكرها، ولا يستطيع مصلح مثل نبى الله «نوح» أن يجبرهم على الاعتراف بما هم فيه من ضلال، وأن يحركهم من أجل تصحيح أوضاعهم، ليس فى مقدرته أن يلزمهم بقبول ما يكرهون، ولا يكره الضال شيئاً فى الحياة، مثلما يكره الحق والحقيقة.

دافع «نوح» عن الحقيقة من أجل الله وحده لا شريك له، لم يكن يهدف -من وراء ذلك- لتحقيق منفعة أو مغنم، فقد كان يتحرّك بعقله المدرك للحقيقة، والرحيم بأهله، لكن قومه كرهوا ذلك، واعتبروا إلحاحه على الإصلاح نوعاً من الجدل، ومحاولة الأخذ والرد من جانبه: «قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ». وذلك شأن الجاحدين فى كل زمان ومكان، ينكرون الحقيقة، ويدمغون أصحابها بالثرثرة وكثرة الجدل، ثم يطلبون منهم أن ينفّذوا ما يحذرونهم منه، قناعة منهم بأنهم أعجز من أن يفعلوا شيئاً، إنهم دائماً جهلة بالإيمان كمصدر قوة لصاحبه.

واصل «نوح» إسداء النصيحة لأهله ولم يتوقف أمام عنادهم ورفضهم التفكير فى ما ينصحهم به، سكت النبى عن النُّصح فقط حين آمن بعدم جدواه، وأنه يلقى ماءه فى إناء مثقوب، لا يحتفظ بشىء، سكت فى اللحظة التى أدرك فيها أن الهدى هدى الله، وأن النجاح فى إقناع الآخرين بأمر من الأمور، ليس مرده قوة الحجة أو وضوح الأمر، بل مشيئة الله تعالى.. تجد هذه الفكرة فى قول «نوح» لقومه، كما يحكى القرآن: «وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».

انتهت مشاهد النُّصح بين «نوح» وقومه عند النقطة التى أخذ الوثنيون يدعون النبى فيها إلى أن يأتيهم بالعقاب الذى يهدّدهم به، وجاء الإعلان صريحاً من السماء يأمر نوحاً بالتوقف: «وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ».

ورغم اليأس من هداية قومه وصدور الأمر من السماء بالتوقّف ظل نوح على عاطفته القوية نحو قومه، وشعر بالبؤس بسبب فشله فى تصحيح أوضاعهم، وبسبب إصرارهم على ما هم فيه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكارهون للنصيحة الكارهون للنصيحة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt