توقيت القاهرة المحلي 15:03:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحماية.. والإهدار

  مصر اليوم -

الحماية والإهدار

بقلم - د. محمود خليل

ليس هناك شىء يخرب الوجدان مثل الخوف. الخوف يقتل الإحساس ويبلده، ويحرض على الاستسلام والتنازل عن الكرامة، إنه يجعل صاحبه كائناً عاجزاً فاقد الإنسانية. الخائف فى حالة سكون دائم، وإذا حدثت المعجزة وتحرك فى لحظة، فإن تحركه يكون مدمراً.

خوف المصريين تاريخى، وإن لم يجدوا ما يخيفهم اخترعوا مصادر وهمية للخوف، ورسخوها فى نفوسهم حتى تتحول إلى حقيقة. زمان -وقبل دخول الكهرباء- كان الكثيرون يخافون الظلام، ويعتبرونه مسرحاً خصباً لظهور العفاريت. بإمكانك أن تراجع مذكرات العديد من الأدباء والمفكرين، الذين تعاصرت رحلتهم فى الحياة مع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وسوف تجد أن أغلبهم يحكون عن العفاريت التى تظهر فى الظلام فتعبث بالبشر، ولا تختفى إلا مع أذان الفجر. تجد ذلك على سبيل المثال فى «أيام» الدكتور طه حسين. زمان أيضاً كانت الأمهات يربين الأطفال على الخوف من كائنات وهمية لا توجد إلا فى خيالهم، ويرسخنها فى مخيلة الأطفال، مثل «أبو زبعبع» و«أمنا الغولة» وغير ذلك.

كان لسان حال المصريين ينطق بالخوف المصنوع تحت جنح الظلام أو على أجنحة الوهم، وهو ما عبَّر عنه المبدع الراحل «صلاح جاهين» فى رباعيته الشهيرة: «سهّير ليالى وياما لفيت وشفت.. وفى ليلة راجع فى الظلام قمت شفت.. الخوف كأنه كلب سد الطريق.. وكنت عاوز أقتله بس خفت».

شدّ المحتل الإنجليزى خيط الخوف ومدده داخل نفوس المصريين، عبر تهديد كل من يعترض على وجوده بالقهر والتشريد والحرمان، وصنع آلة تبث الخوف الممنهج لدى الناس، اعتمد فيها على مجموعة من الأسماء التى ما كانت تُذكر أمام أحد، إلا ويسقط قلبه فى قدميه، ويعتريه الخوف ويصده عن الفعل. ودعّم الاحتلال ذلك من خلال التفرقة بين المصريين «الخائفين» والأجانب الذين يعيشون فى مصر «تحت الحماية». فالأجانب يحميهم الإنجليز ولهم قوانينهم الخاصة، أما المواطن فالويل كل الويل له إذا تواجه مع شخص «حماية»، فقد كان يعلم أن المحتل سيسحقه سحقاً، لأنه تعدى على من يستظل بحمايته، ولن يأخذ حقاً ولا باطلاً، وعليه فى مواجهة «الشخص الحماية» أن يقبل الإهدار.

ومقابل الخوف قدّم المحتل العديد من الإغراءات لمن يتعاون معه، فوعده بالحماية، حتى ولو كان مواطناً مصرياً، وكان بعض المصريين يستقوون على غيرهم، ويهددونهم بعلاقتهم بالإنجليز، وكان المحتل لا يتأخر عن خدمتهم إذا احتاجوا، حتى يثبت أن من معه «حماية» حتى ولو كان مواطناً محلياً.

زرع المحتل الإنجليزى الخوف فى نفوس قطاع لا بأس به من المصريين، وبهذه الزرعة استطاع أن يستمر فى السيطرة على البلاد ما يزيد على 70 سنة، ولم يخرج إلا بعد أن خلع قطاع من الناس ثوب الخوف عنهم، وألقوا به جانباً، واتجهوا إلى مواجهة المحتل بشجاعة وبسالة، يغذيها الإيمان بحقهم فى الحرية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحماية والإهدار الحماية والإهدار



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt