توقيت القاهرة المحلي 09:38:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«المتصالحون» هم «الناجون»

  مصر اليوم -

«المتصالحون» هم «الناجون»

بقلم - د. محمود خليل

17 عاما مرت على وفاة نجيب محفوظ «30 أغسطس 2006» عليه رحمات الله، ذلك الرجل الذى عاش رحلة تصالح عبقرية مع الذات، ومع الحياة، وفى نهاية الرحلة عاش متصالحاً مع «الموت».

كأن فكرة «التصالح» هى مفتاح الإبداع الحقيقى الذى تجود به النفس الإنسانية، فالنفس المتصالحة أكثر سخاءً وعمقاً فى تصوير الإنسان والواقع المحيط به، بشكل قادر على عبور حدود الزمان والمكان، بل والإنسان، وذلك سر الخلود فى أدب صاحب «نوبل».

تعالَ نفتش فى حياة نجيب محفوظ الإنسان ونتجول فى حدائق «تصالحه مع ذاته».

نجيب محفوظ نموذج للإنسان الذى عاش طفولته كطفل، ومراهقته كمراهق، وشبابه كشاب، ورجولته كرجل، وكهولته ككهل، وشيخوخته كشيخ.

في كل مرحلة من هذه المراحل لم يأنف نجيب محفوظ عن الانغماس فيها متلسماً أرضها، ذائباً فى سماتها، حالماً بالوصول إلى سمائها.

انطلق فى طفولته يلهو ويلعب ويدرس ويشاغب، وخاض فى مراهقته وشبابه كل التجارب التى خاضها أبناء جيله، بحلوها ومرها، بخيرها وشرها، وفي رجولته أدى كرجل رسم النضج معالم تفكيره وإحساسه بالحياة.

وفي كهولته بدأ يهدأ ويسترخى، ويتخلص من أحساسيس التعجل والنزق، وفي كهولته استمتع بالإحساس المتراوح ما بين العزلة والاندماج مع الآخرين، حين تتيح الظروف.

حين ضغطت ظروف الحياة وضيق العيش على نجيب محفوظ فى لحظة، اتجه إلى الكتابة السينمائية، فسطر سيناريوهات وحوارات العديد من الأفلام الشهير، ومنها أفلام كانت عن قصص لروائيين مثله.

لم يستنكف أن يتسق مع نفسه كرجل مسئول عن أسرة، فأخذ يبحث عن رزقه ورزقها. لم يتردد حين لم يجد الواقع مواتياً بعد قيام حركة الضباط فى يوليو 1952 التوقف عن الكتابة لعدة سنوات، ثم خرج بعدها برائعته «أولاد حارتنا».

قاعدة «الرضا» من القواعد الأخرى المهمة التى يمكن أن تفهم من خلالها حالة التصالح مع الذات التى عاشها نجيب محفوظ.

فهذا الرجل لم يكسب كثيراً من إبداعه الذى أثرى به الواقع، واختزن فى سطوره التاريخ الإنسانى والاجتماعى للمصريين خلال القرن العشرين، ووضع به الأدب العربى على منصة العالمية، بل إن من استثمروا فى رواياته ربحوا عشرات أضعاف ما ربح.

ومع ذلك فقد عاش بنفس راضية مرضية. أذكر أن مفيد فوزى سأله ذات مرة: هل كنت تتوقع أن تفوز بجائزة نوبل؟ فرد: لا طبعاً. قال نجيب محفوظ ذلك وهو رجل كان يعلم قيمته وقامته، وأنه أحق كتاب الشرق -بعد طاغور شاعر الهند الكبير- بهذه الجائزة، لكنه الرضا.

التصالح مع الذات هو أيضاًَ قدرة على رؤية النفس وتقييمها بعدسة مستوية -لا تحديب فيها ولا تقعير- فلا تصغّر نفسك ولا تمنحها أكبر من حجمها، وكذلك عاش نجيب محفوظ، يرى نفسه بعدسة مستوية، يقدر لها شموخها وحقها فى التعبير عن أحساسيها وتباريحها وآرائها، ويحترم حق غيره فى الاختلاف مع ما يكتب، حتى لو لم يقدره حق قدره.

المتصالحون مع أنفسهم ليسوا فقط هم المبدعون أصحاب العبقرية مثل نجيب محفوظ.. بل هم -قبل ذلك- الناجون فى هذه الحياة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«المتصالحون» هم «الناجون» «المتصالحون» هم «الناجون»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 07:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
  مصر اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt