توقيت القاهرة المحلي 18:24:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البرجماتية السياسية والدين

  مصر اليوم -

البرجماتية السياسية والدين

بقلم - د. محمود خليل

مثّل الطموح السياسى ملمحاً أساسياً من ملامح شخصية «الحجاج بن يوسف الثقفى». ولست أجد أى نوع من التناقض بين ما يذكره كُتاب التراث حول ارتباطه فى طفولته وشبابه بالقرآن الكريم وعلومه، وطموحه السياسى، بل قل إن الصعود السياسى فى عصر «الحجاج» كان يتطلب التسلح بالقرآن، وبفصاحة اللسان، والقدرة على التأثير الخطابى، وقد كان الرجل مجيداً على المستويات الثلاثة، ويشير «ابن كثير» إلى أنه نشأ شاباً لبيباً، فصيحاً، حافظاً للقرآن، ما جعله محل إعجاب والتفات من جانب المحيطين به.

وحقيقة الأمر أن حفظ القرآن فضيلة، لكن ما يفوقها فى الفضل العمل بأخلاقياته وقيمه وأحكامه. وقد وصفت أم المؤمنين عائشة، رضى الله عنها، النبى صلى الله عليه وسلم بأنه «كان قرآناً يمشى على الأرض»، لكن ذلك لا يمنعنا من القول بأن التواصل مع القرآن يؤدى إلى فصاحة اللسان، وإتقان القول، وإجادة النطق، وغير ذلك. وأشهر من شدوا بالقصائد العربية واشتهروا بها كانوا من الحافظين لكتاب الله، أو المتواصلين معه، مثل السيدة «أم كلثوم» رحمها الله.

إن قصة واحدة حكاها «ابن كثير» فى «البداية والنهاية» يمكن أن تجسد لك المعنى الذى أرمى إليه. وفيها يحكى أن «الحجاج» صلى مرة إلى جوار سعيد بن المسيب، وذلك قبل أن يلى شيئاً، فجعل يرفع قبل الإمام، ويقع قبله فى السجود، فلما سلّم أخذ «سعيد» بطرف ردائه، وظل يمسك به، وهو يردد ذكراً تعود عليه بعد كل صلاة، حاول «الحجاج» الإفلات منه، وأخذ ينازعه رداءه حتى قضى «سعيد» ذكره، ثم أقبل عليه فقال له: يا سرّاق يا خائن.. تصلى هذه الصلاة.. لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك.. لم يرد عليه «الحجاج» وتركه.. ومرت الأيام.. ثم جاء «الحجاج» نائباً على الحجاز، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج، فخشى الناس على «سعيد» منه، فجاء حتى جلس بين يديه، فقال له: أنت صاحب الكلمات.. فرد «سعيد» بشجاعة: نعم، فقال له «الحجاج»: جزاك الله من معلم ومؤدب خيراً، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى.

إنها البرجماتية السياسية التى ربما فسرت إسراع «الحجاج» -حافظ القرآن- فى الصلاة قبل أن يتولى أى منصب.. وكلامه لسعيد بن المسيب بعد أن أصبح نائباً لبنى أمية على الحجاز.. ولا بأس من أن يتسق الشخص مع نفسه، ويقول إن للسياسة قواعدها وأسسها، ويتبنى وجهة نظر تذهب إلى أن السياسة أمر، والدين أمر آخر، لكن التناقض يظهر حين يحاول الشخص أن يمسح براجماتيته السياسية فى الدين، وقد كان الحجاج بن يوسف يعتمد على هذه المعادلة، يظهر ذلك فى الحوار الذى دار بينه وبين أسماء بنت أبى بكر، حين حاول أن يبرر قتله ابنها «عبدالله بن الزبير» فى الكعبة، واصفاً إياه بأنه ألحد فى الحرم وإن الله أذاقه من عذاب أليم، فقالت: كذبت. كان براً بوالديه.. صواماً قواماً. والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير (أى قاتل).

لقد حاول «الحجاج» أن يبرر فتكه بعبدالله بن الزبير من منظور دينى «الإلحاد فى الحرم»، وهو الذى أعمل فيه السيف لأسباب سياسية تتعلق برفضه مبايعة الخليفة الأموى مروان بن الحكم، بالإضافة إلى تاريخه فى معارضة يزيد بن معاوية الذى أخذ له أبوه البيعة والسيف على رقاب العباد، وثورته على دولة «الملك العضوض».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البرجماتية السياسية والدين البرجماتية السياسية والدين



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt