توقيت القاهرة المحلي 09:53:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأمثال.. والذات المفقودة

  مصر اليوم -

الأمثال والذات المفقودة

بقلم - د. محمود خليل

ماذا يصيب الإنسان حين يفقد الإحساس بذاته؟.. فقد الإحساس بالذات حالة يتحول معها الفرد إلى آلة بليدة تؤدي بلا منطق وتسلك بلا ضمير، وهو نتيجة طبيعية لتاريخ طويل من الإهدار، تتراكم مقدماتها فوق بعضها البعض حتى تصل بالفرد إلى ذلك.

ليس من المستبعد أن تجد هذه الحالة جذورها التاريخية في تجربة الحكم المملوكي التي عاشتها مصر لقرون متصلة. ولو أنك تأملت ما ذكره المؤلف "ع. ع" -هكذا سمى نفسه- في كتابه الاستثنائي "تراث العبيد" الذي يتناول تجربة الحكم المملوكي في تاريخ مصر، والثقافة التي أورثوها للمصريين، والتي لم يزل خطها متوصلاً في حياتنا حتى اللحظة، فيمكنك أن تخلص منه إلى النتيجة التي تقول أن "ذات المصريين" فُقدت خلال هذه الحقبة، ولا زالوا يبحثون عنها حتى اللحظة.

أثر الثقافة المملوكية لم يختف في حياتنا، رغم اختفاء المماليك، بل ما زلنا نعيش على تراث هذه التجربة الفريدة في حياة البشر، التي وجد فيها عبداً مملوكاً نفسه يجلس على كرسي السلطنة في واحدة من أجمل بلاد الدنيا وأعرقها وأقدمها، ويتحكم في ناسها، ويعتبر نفسه مالك أمرهم، ومالهم، وخيراتهم، ثم يجد الناس بعد ذلك يخضعون له، إنها مفارقة شديدة العجب.

والأعجب منها أن تظل الثقافة التي تركتها هذه الحقبة متواصلة الأثر في حياة الناس، حتى بعد انتهاء زمن المماليك، اللهم إلا إذا اقتنعنا بأن هذه الثقافة غازلت جانباً كامناً في التركيبة النفسية السائدة، فأظهرتها ولمعتها، وصنعت منها عدسة وحيدة لا نرى أنفسنا إلا من خلالها.

أوعية عديدة التفت إليها المتتبعون لخيوط المملوكية في نسيج الثقافة السائدة داخل المجتمعات العربية، من بينها السلوكيات وأساليب التصرف في المواقف المختلفة وغير ذلك، لكن ثمة وعاء مهم للغاية لاختزان معالم الثقافة المملوكية، وهو في الوقت نفسه يمثل الجسر الناقل لها عبر الأجيال، يتمثل في الأمثال الشعبية في مصر.

كثيرون توقفوا أمام نوعية معينة من الأمثال وتساءلوا حول مضمونها الانهزامي، وما تحمله من مدلولات سلبية، لكنهم اكتفوا برصدها دون محاولة التفسير، وتتبع الجذور التي أدت إلى نشأتها على هذا النحو، وهي جذور مملوكية بامتياز.

ولو أردت أن تحدد نقطة تتجمع عندها هذه الأمثال "المملوكية"، فسوف تجدها عند فكرة "الذات المفقودة".

فقد الإحساس بالذات يعني بالتبعية فقد الإحساس بالآخرين، وسيطرة حالة من التيه على المجموع. ولو فتشت داخل أي مجتمع ستجد نماذج مملوكية مختلفة لأفراد فقدوا إحساسهم بالذات، وبالتالي إحساسهم بالآخرين.

الأب والأم يمكن أن يفقدا الإحساس بذاتهما، ثم أولادهما، ومن حولهما، والأولاد يمكن أن يفقدوا الإحساس بذاتهم، فيفقدوا إحساسهم بالوالدين والأقربين والأصدقاء، أصحاب المراكز المرموقة يمكن أن يفقدوا الإحساس بذاتهم وبالتالي الإحساس بمن يقعون في دائرة مسئوليتهم، المواطن البسيط يمكن أن يفقد إحساسه بذاته أيضاً فيتحول إلى آلة بليدة تسلك بلا عقل أو ضمير.

النماذج المملوكية فاقدة الإحساس داخل أي مجتمع تمثل أفراداً وليس كل المجتمع، لكنها نماذج خطرة، لأن المرض الذي أصابها مرض معد، يمكن أن ينتقل بسهولة إلى من حولهم.

والسر في ذلك مسلسل الإهدار الذي عانوه وأوصلهم إلى هذه الحالة، والذي يحاولون التنفيس عنه عبر إهدار الآخرين.

يبقى أن هناك نماذج نقيضة، تتفجر في نفوسها ينابيع الإحساس بإنسانيتها فتفيض على من حولها شلالاً من العطف والتراحم والتماس الأعذار، لكن قليل ما هم، وما أسرع ما تتجمد الأحاسيس في عروقهم، بسبب حالة البرودة التي يتسبب فيها سيطرة الإحساس بفقد الذات على كثيرين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأمثال والذات المفقودة الأمثال والذات المفقودة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

سيرين عبد النور تتألق بالفستان الأسود بإطلالات تجمع الكلاسيكية والجرأة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt