توقيت القاهرة المحلي 12:39:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ»

  مصر اليوم -

«وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ»

بقلم: د. محمود خليل

نبى الله يعقوب حالة فريدة من نوعها فى القدرة على استشراف الآتى وتوقع المستقبل.. شخصيته، كما تتجلى فى سورة يوسف، خبيرة بالنفوس البشرية، بصورة تساعدها على توقع سلوكها.

وإذا كان الإنسان المتمرس بالحياة والخبير بأحوالها وأحوال البشر فيها قادراً على قراءة شخصيات المحيطين به، فإنه على قراءة وفهم أحوال وتوقع سلوكيات أولاده أقدر.

تتعجب وأنت تتابع «يعقوب» وهو يقول لأولاده الذين طلبوا منه اصطحاب شقيقهم الصغير يوسف فى نزهة يرتع فيها ويلعب: «قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ».

لقد قرأ ببساطة ما يخطط له أولاده، تمكن من توقع ما خطوه على صفحة عقلهم من كيد ليوسف، وقد التزم أبناؤه بالسيناريو بحذافيره، فعادوا إليه آخر النهار ليقولوا له إن ما توقعه حدث بالضبط: «قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ».

لم يجتهد أبناء يوسف فى تطوير كذبة أخرى لإخراج المشهد بعيداً عما رسمه «يعقوب»، ويبدو أن دافعهم فى ذلك ارتبط بقناعتهم بأن «يعقوب» لن يصدقهم على أية حال حتى ولو كانوا يصدقونه القول، وبالتالى لم يجدوا ضرورة فى إرهاق أنفسهم باختراع سيناريو جديد لاختفاء يوسف بعيداً عن السيناريو الذى توقعه منهم «يعقوب».

تتعجب كذلك وأنت تقرأ عن موقف «يعقوب» حين طلب منه أبناؤه -بعد ضياع يوسف- بأن يرسل معهم شقيقه الأصغر بنيامين: «فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».

كان «يعقوب» يعلم أن أبناءه يريدون التخلُّص من شقيقيهم من زوجة أبيهم «راحيل» بأى طريقة، فعبر لهم عن قلقه على «بنيامين» بسؤال يستنكر فيه أن يقع لبنيامين مثلما وقع ليوسف فيضيع هو الآخر منه، وتحقق توقع النبى يعقوب هذه المرة أيضاً.

أما نصيحته لأبنائه بدخول مصر من أبواب متفرقة فهى تعكس مفارقة إنسانية عميقة، ما بين خوف الأب على أبنائه، ويقينه بأن كل شىء فى هذه الحياة يقع بإذن الله وأمره: «وَقَالَ يَا بَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ».

المسألة لم تكن اهتزازاً أصاب يقين النبى فى أن كل شىء يحدث بأمر الله، لكنه أب يخاف على أبنائه ونفسه موجوعة عليهم، وذلك مصداق قوله تعالى: «وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».

المسألة فى الأول والآخر مسألة علم رزقه الله نبيه يعقوب، مكنه من فهم البشر من حوله، ومنحه القدرة على توقع أفعالهم بطريقة رياضية منطقية كانت تصيب فى أغلب الأحوال، قدرة وقودها الإيمان بالله واليقين بكون أمر الله قدراً مقدوراً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ» «وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ»



GMT 08:31 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

فلينتحر “الحزب” وحده

GMT 08:29 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

المحاضِران

GMT 08:26 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

الهجمات العراقية على دول الخليج

GMT 08:25 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

آن هاثواي... «إن شاء الله»!

GMT 08:23 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

من السلاح إلى الدولة... اختبار حركات دارفور

GMT 08:11 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

طائفة «الطبيب»

GMT 08:10 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

القائد العظيم وني

سيرين عبد النور تتألق بالفستان الأسود بإطلالات تجمع الكلاسيكية والجرأة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt