توقيت القاهرة المحلي 00:49:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفرار من الغول (1)

  مصر اليوم -

الفرار من الغول 1

بقلم: د. محمود خليل

لم يدر كيف طوى خطوات الشارع الممتد من سوق القلعة بين الفارين النافدين بجلودهم من غول النار الذى فتح فمه فجأة فأحاط بأصحاب النصيب. فكرة وحيدة اندلقت من عقله وهو يقع تحت الأقدام قبل أن يقيم نفسه من جديد، حين تذكر الجملة التى كان يرددها لهم شاويش الوحدة «عبدالعاطى»، وهو يعدهم للقاء العدو: «الرصاصة تخرج من المصنع مكتوب عليها اسم صاحبها.. واللى ليه نصيب فى حاجة هيشوفها»، شعر ببعض الراحة حين وجد بصره يمتد حتى أصابت نظرته قبة مسجد السلطان حسن، التقط نفَساً سريعاً وهرول نحوه، ثم أعطاه ظهره وهو الذى اشتاق من لحظة إلى وجهه، وطار عبر شارع الصليبة وسط حمامات بشرية بدأت تخف أسرابها، بعد أن تفرق بعضها فى اتجاه شارع السيدة عائشة، وبعضها فى اتجاه شارع محمد على، واخترم بعضها شارع باب الوزير، وواصل بعضها الآخر السير معه عبر شارع الصليبة، قطعه فى خطوات قليلة أحس من طول بعضها أن ساقيه تكادان ينفتقان، ثم دلف من جهة الشمال نحو شارع طولون ومنه إلى البيت، تنبه وهو يطرق على الباب إلى الأكياس التى يحملها فى يده، فتبسم ضاحكاً من تشبثه بها طيلة هذا الماراثون، وتعجب من إصرار الإنسان على التمسك بالقوت حتى ولو كان يرتع فى حنك الموت.

ألقى بنفسه أخيراً على الكنبة «الإسلامبولى» التى تتصدر صالة الشقة التى ترقد فى أحد البيوت المقابلة لمسجد أحمد بن طولون، هرولت زوجته نحو الشباك لتفتحه، حتى يجود بهوائه على أنفاس الرجل اللاهثة، ترجاها بصوت واهن أن تغلقه، نظرت إليه وإلى الكرسى الهزاز المجاور للشباك، وتعجبت من عدم هرولته إلى الجلوس عليه، كما تعود بمجرد دخول البيت، ليشرد ببصره فى مئدنة مسجد أحمد بن طولون والعرائس الممتدة على طول سوره العالى.

أحس أنها تسأل ما باله يترك الكرسى الذى يمنع أولاده وحتى زوجته التى يحبها من الجلوس عليه وجلس بعيداً على الكنبة؟.

فجأة عاد مشهد غول النار فأحس بالخوف، وأخذ يهتف: «غول نار وانفتح»، ثم شعر بيد تهزه فجأة فانفزع وأخذ يسأل زوجته بعصبية:

- خالد: بتهزينى ليه؟.. أنا صاحى.

- نادية (بتعجب): صاحى؟.. دا انت عمّال تقول غول نار وانفتح.

- خالد: غول نار وانفتح؟!.. (ثم وهو يتثاءب): ما كنتش بقول حاجة.. دى فكرة وجت فى دماغى وأنا بقرا فى الكتاب.. بس ما قلتهاش.

- نادية (ضاحكة): أهلاً.. واضح إن كتاب «اغتيال الأمم» اللى فوق صدرك اشتغل.

- خالد (وهو يرتشف قطرات من كوب ماء وجده أمامه): لأ لأ.. أنا بس لسَّه متأثر باللى شُفته فى سوق القلعة من سنة.. يوم ما كانوا بيقبضوا على العيال بتوع التكفير والهجرة.

- نادية: الله ينتقم منهم.. قتلوا الشيخ الدهبى بدون ذنب ولا جريرة.

- خالد: الله يرحمه.. (بضجر): اعملى لى شاى.

- نادية: (ضاحكة): هعمل لك كوباية شاى توزن دماغك قبل أول يوم نصومه بكرة إن شاء الله.. أرد الأول ع التليفون اللى بيرن.

تركته «نادية» للرد على تليفون شقيقتها «نجلاء» التى شرعت تحكى لها عن تبادل إطلاق نار بين الشرطة وخلية جديدة من خلايا التكفير والهجرة كانت تختبئ بسوق القلعة.. وأن صوت الرصاص كان يصل إليهم فى الخليفة.. نظرت «نادية» بدهشة إلى «خالد»، الذى انتقل بحركة تلقائية إلى كرسيه الهزاز ووجد نفسه يجلس عليه، شخص ببصره إلى مئدنة أحمد بن طولون، لم يرها بل رأى مجموعة مختلطة من الصور، حمدى السيد الأحمدى، والشاويش عبدالعاطى وزملاؤه فى الوحدة الذين تفرقوا فى لحظة كما التأموا فى لحظة أيام حرب يونيو 1967، واستقر أخيراً عند صورة أبيه الشيخ عبدالعظيم الأحمدى الذى عاش ومات، وهو يشعر أنه لم يفهمه. كان خالد ميالاً إلى التمرد عليه، وعلى طريقته فى النظر إلى الناس والأشياء، وبحمولة المثاليات التى أرهق عقله ووجدانه بحملها منذ الطفولة.

قفز من ذاكرته أول حديث قدسى حفّظه له أبوه: «لم تسعنى أرضى وسمائى.. ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن».. ردده بين نفسه ثم تنهد قائلاً: «رحمة الله وبركاته عليك يا شيخ عبدالعظيم.. لكننى لم أستطِع أن أكونك».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرار من الغول 1 الفرار من الغول 1



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

توغل قوات اسرائيلية في عدة قرى بمحافظة القنيطرة
  مصر اليوم - توغل قوات اسرائيلية في عدة قرى بمحافظة القنيطرة

GMT 16:03 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مكسرات غنية بالمعادن والفيتامينات لحماية العظام
  مصر اليوم - مكسرات غنية بالمعادن والفيتامينات لحماية العظام

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt