توقيت القاهرة المحلي 19:41:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

متى يكلب الإنسان؟

  مصر اليوم -

متى يكلب الإنسان

بقلم: د. محمود خليل

فقد الإنسانية معناه الوصول إلى حالة تبلُّد عام كامل، نتيجة توقف الحواس عن الإدراك، والقلب عن الشعور، والعقل عن التفكير والتعلم، والإرادة الحرة عن العمل، بما يجعل الإنسان عاجزاً عن التمييز ما بين الخير والشر، والجيد والردىء داخل المحيط الذى يعيش فيه.

الإنسان فى القرآن الكريم له مجموعة من السمات المحددة التى تميزه عن غيره من المخلوفات.. كما أن له نقاط ضعفه التى تهز إنسانيته فى بعض الأحوال.

دعونا نبحث أولاً فيما يميز الإنسان عن سائر مخلوقات الله، وسنجد أنها تتلخص فى سمات أربع أساسية، أولها العقل، وثانيها الإحساس، وثالثها الكرامة، ورابعها الإرادة.

ولا يخفى عليك أن كل سمة من هذه السمات تُسلم إلى التى تليها. فالعقل الدافع إلى العلم والإدراك السليم يؤدى -حين يمس القلب- إلى الإحساس والشعور، وتعد مسألة الدفاع عن الكرامة أول التعابير عن الأحاسيس والمشاعر، ورسوخ الكرامة داخل الإنسان يدعم إرادته الحرة.

يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً».

يذهب أغلب المفسرين إلى أن المقصود بالأمانة فى الآية الكريمة: «الفرائض والحدود»، حيث يثاب الإنسان على الالتزام بها بالجنة، ويعاقب على الحيود عنها بالنار. وهناك من يذهب إلى أن الأمانة يقصد بها العقل، بما يوفره للإنسان من أدوات تمكنه من التمييز بين الخير والشر، والقدرة على التمييز هى فى كل الأحوال مناط التكليف. فالإنسان الذى لم يبلغ وينضج عقله، وكذلك من فقد عقله، يقع خارج دائرة التكليف.

الأرجح بالطبع أن مفردة الأمانة تدل على العقل، يؤكد ذلك احتكام الخالق إليه فى أخطر مسألة تتعلق بعلاقة الإنسان بالله، وهى مسألة الإيمان والكفر، يقول الله تعالى: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، فالوعى بآيات الله يولد الإيمان، والوعى جوهر التفكير الذى يفضى إلى الإيمان: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»، أو يفضى إلى العكس: «إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ».. والتفكير السليم أساسه العلم وليس الهوى أو الانحياز: «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ».

لم يخطئ «ديكارت» حين قرر ذات يوم أن «العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، ولم يكن للعقل إلا أن يكون كذلك. فالله تعالى قال فى كتابه الكريم: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ»، فالناس قد تختلف فى اللغة أو الهيئة، لكنهم يتساوون فى حظهم من العقل.. فالعدل الإلهى اقتضى ألا يختلف البشر على هذا المستوى، لأن العقل هو الأداة التى يحتكم إليها الإنسان فى الإيمان بخالقه، وهو من ناحية أخرى مناط التكليف بتعاليم السماء.

لذلك يصح أن نقول إن الملمح الأول لفقد الإنسانية يتمثل فى فقد العقل، فى هذه الحالة يتدنى الإنسان إلى أقل مخلوقات الله، فيصير كالأنعام. يقول الله تعالى: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً».. ومن أنواع الأنعام التى ذكر الله تعالى أن الإنسان يتدنى إليها حين يفقد عقله الحمار: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً».. وكذلك الكلب «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث».

ما أصعب الحياة حين يأنس الكلب.. ويكلب الإنسان!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

متى يكلب الإنسان متى يكلب الإنسان



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt