توقيت القاهرة المحلي 14:35:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

متى يكلب الإنسان؟

  مصر اليوم -

متى يكلب الإنسان

بقلم: د. محمود خليل

فقد الإنسانية معناه الوصول إلى حالة تبلُّد عام كامل، نتيجة توقف الحواس عن الإدراك، والقلب عن الشعور، والعقل عن التفكير والتعلم، والإرادة الحرة عن العمل، بما يجعل الإنسان عاجزاً عن التمييز ما بين الخير والشر، والجيد والردىء داخل المحيط الذى يعيش فيه.

الإنسان فى القرآن الكريم له مجموعة من السمات المحددة التى تميزه عن غيره من المخلوفات.. كما أن له نقاط ضعفه التى تهز إنسانيته فى بعض الأحوال.

دعونا نبحث أولاً فيما يميز الإنسان عن سائر مخلوقات الله، وسنجد أنها تتلخص فى سمات أربع أساسية، أولها العقل، وثانيها الإحساس، وثالثها الكرامة، ورابعها الإرادة.

ولا يخفى عليك أن كل سمة من هذه السمات تُسلم إلى التى تليها. فالعقل الدافع إلى العلم والإدراك السليم يؤدى -حين يمس القلب- إلى الإحساس والشعور، وتعد مسألة الدفاع عن الكرامة أول التعابير عن الأحاسيس والمشاعر، ورسوخ الكرامة داخل الإنسان يدعم إرادته الحرة.

يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً».

يذهب أغلب المفسرين إلى أن المقصود بالأمانة فى الآية الكريمة: «الفرائض والحدود»، حيث يثاب الإنسان على الالتزام بها بالجنة، ويعاقب على الحيود عنها بالنار. وهناك من يذهب إلى أن الأمانة يقصد بها العقل، بما يوفره للإنسان من أدوات تمكنه من التمييز بين الخير والشر، والقدرة على التمييز هى فى كل الأحوال مناط التكليف. فالإنسان الذى لم يبلغ وينضج عقله، وكذلك من فقد عقله، يقع خارج دائرة التكليف.

الأرجح بالطبع أن مفردة الأمانة تدل على العقل، يؤكد ذلك احتكام الخالق إليه فى أخطر مسألة تتعلق بعلاقة الإنسان بالله، وهى مسألة الإيمان والكفر، يقول الله تعالى: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، فالوعى بآيات الله يولد الإيمان، والوعى جوهر التفكير الذى يفضى إلى الإيمان: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»، أو يفضى إلى العكس: «إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ».. والتفكير السليم أساسه العلم وليس الهوى أو الانحياز: «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ».

لم يخطئ «ديكارت» حين قرر ذات يوم أن «العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، ولم يكن للعقل إلا أن يكون كذلك. فالله تعالى قال فى كتابه الكريم: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ»، فالناس قد تختلف فى اللغة أو الهيئة، لكنهم يتساوون فى حظهم من العقل.. فالعدل الإلهى اقتضى ألا يختلف البشر على هذا المستوى، لأن العقل هو الأداة التى يحتكم إليها الإنسان فى الإيمان بخالقه، وهو من ناحية أخرى مناط التكليف بتعاليم السماء.

لذلك يصح أن نقول إن الملمح الأول لفقد الإنسانية يتمثل فى فقد العقل، فى هذه الحالة يتدنى الإنسان إلى أقل مخلوقات الله، فيصير كالأنعام. يقول الله تعالى: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً».. ومن أنواع الأنعام التى ذكر الله تعالى أن الإنسان يتدنى إليها حين يفقد عقله الحمار: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً».. وكذلك الكلب «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث».

ما أصعب الحياة حين يأنس الكلب.. ويكلب الإنسان!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

متى يكلب الإنسان متى يكلب الإنسان



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt