توقيت القاهرة المحلي 05:44:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أحفاد «وهب»

  مصر اليوم -

أحفاد «وهب»

بقلم: د. محمود خليل

ثمة خطاب شائع على مواقع التواصل الاجتماعى يقوم على فكرة تحقير الدنيا، ونصح الناس بالتفكير فى الآخرة، وما أعده الله تعالى للمحرومين فى الدنيا من أوجه إشباع فى جنان الخلد.

كل مؤمن لا بد أن يتذكر آخرته، لكن ليس معنى ذلك بحال أن ينسى دنياه. مسألة نبذ الدنيا والزهد فيها تتصادم مع العديد من الآيات القرآنية التى تحتفى بالحياة، ولا تمنع الإنسان من التمتع فيها، مثل قوله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»، وقوله تعالى: «وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».

خطاب الزهد وتحقير الدنيا يبدو كوميدياً عندما يصدر أو يتكرر على لسان من يظهرون أمام الناس وهم غارقون فى أطايبها ومتعها، أو يعلم الناس عنهم ذلك، وتزداد الكوميديا عندما يوجه هؤلاء خطابهم إلى عبيد الله تعالى المرهقين الغارقين فى المشكلات والمحاصرين بالضغوط.

لا يختلف خطاب وأداء هؤلاء عن الوعاظ والحكائين الذين تحكى عنهم كتب التاريخ، مثل وهب بن منبه، ممن كانوا يترعون أذن السامع بالقصص الخرافى الذى يجمع فى طياته بين الواقع والأسطورة، والحقيقة والخيال، والأخطر نصح من حولهم بنصائح لا يعملون هم أنفسهم بها.

وهب بن منبه هذا عاش يزّهد الناس فى الدنيا، وينشر فى ربوعها «خطاب تحقير الحياة والزهد فيها»، رغم أنه كان ينعم بكل ما فيها، ويفعل كل ما يفعله عائشوها، بما فى ذلك الغضب الذى صنفه كبوابة من بوابات إبليس إلى بنى آدم. يحكى الذهبى صاحب كتاب «سير الأعلام والنبلاء» أن سماك بن الفضل، قال: «كنا عند عروة بن محمد الأمير، وإلى جنبه وهب، فجاء قوم فشكوا عاملهم وذكروا منه شيئاً قبيحاً، فتناول وهب عصا كانت فى يد عروة فضرب بها رأس العامل حتى سال الدم، فضحك عروة واستلقى وقال: يعيب علينا وهب الغضب وهو يغضب! قال: وما لى لا أغضب وقد غضب الذى خلق الأحلام، يقول تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنهم».

الاستدلال الذى ارتكن إليه وهب بن منبه دليل على ذلك النوع من المراوغة الذى يعتمده مروجو خطاب التزهيد فى الدنيا. فلله تعالى المثل الأعلى، والمعنى فى آية: «فلما آسفونا انتقمنا منهم» لا يدل على الغضب، بل على الغفلة التى تؤدى إلى عقاب الله العادل. كان عمر بن عبدالعزيز يردد هذه الآية ويقول: «وجدت النقمة مع الغفلة».

الله تعالى أعلم بهم، لكن مؤشرات عديدة تدل على أن كثيرين ممن يتبنون خطاب التزهيد يقولون ما لا يفعلون، ولو فكر هؤلاء فى المبادرة إلى مساعدة غيرهم لكان أجدى لهم وأنفع، ولو اجتهدوا فى إقناع الناس بقيم السعى والصبر والتكافل وغير ذلك من قيم دينية رفيعة لأفادوا أكثر، فتلك مسألة والغفلة عن الذات ثم استغفال الآخرين مسألة أخرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحفاد «وهب» أحفاد «وهب»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt