توقيت القاهرة المحلي 09:48:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدين والمسيطرون

  مصر اليوم -

الدين والمسيطرون

بقلم - د. محمود خليل

عندما اعتلى محمد على سدة الولاية فى مصر عام 1805 كان العقل الدينى المصرى يقبع فى حوزة المشايخ، وكان الوالى يستخدم هذه النخبة المسيطرة على العقل الدينى العام، ويلعب على أوتار مصالحها الضيقة لإيقاع الفتن فيما بينهم حتى يسيطر عليها بشكل كامل، وواصل توظيفها كأداة لإلهاب الحماس الدينى بالصورة التى تخدم مشروعاته، فباتت طاعته واجباً على كل مسلم، والخروج عليه بغياً وفساداً فى الأرض ومحاربة لله ورسوله.

جل تركيز الوالى كان منصرفاً إلى استخدام من حوله كأدوات لتحقيق مشروعه، وقد تمكن على هذا المستوى من تحديث أدوات الدولة ومعطياتها، لكن لم يكن لذلك مردود كبير على تحديث عقل أبناء الدولة من المصريين، لذلك فقد ترنح مشروعه فى التحديث بعنف بعد تقاعده ثم وفاته، بسبب عدم وجود قاعدة شعبية ساندة له، وترنحت معه رموز التنوير التى ظهرت فى عصره أو تربت فى سياق تجربته.

كافح رفاعة الطهطاوى ثم محمد عبده ثم تلامذته فى سبيل دفع العقل الدينى العام إلى إعادة النظر فى الكثير من الأفكار الخاطئة التى أكسبها طول الأمد ثوباً دينياً، لكن تأثير الكفاح كان محدوداً، بسبب عدم تكامل دائرته، فقد كان التنويريون يؤدون بأقصى درجات العقلانية والارتكاز وهم يحاولون تصحيح المفاهيم الخاطئة المتناقضة مع الفهم العقلانى للإسلام، لكنهم كانوا يخلعون ثوب العقل والتفكير النقدى فى حضرة «أفندينا»، ولك أن تراجع ما كتبه رفاعة الطهطاوى والإمام محمد عبده فى حق الوالى الكبير «ولى النعم» وخلفائه، وفى المرة الوحيدة التى ثار فيها الإمام على السدة الخديوية -أيام توفيق- أعلن بعدها توبته عن السياسة وساس ويسوس.

ليس معنى ذلك بالطبع القفز على أثر رموز التنوير فى تنشيط العقل النقدى، تماماً مثلما أسهم التعليم فى ذلك، لكن الأثر كان محدوداً ودائرة النقد كانت ضيقة، ولها خطوط محددة لا تستطيع تجاوزها. وقد بان أثر ذلك واضحاً حين ظهرت جماعة الإخوان على يد المرحوم حسن البنا عام 1928، حين تلقفت الجماعة نماذج مماثلة للمطربشين الذين انخرطوا فى التيار الليبرالى الوفدى من قبل، من الموظفين المتعلمين، وطلاب المدارس العليا، وصغار العمال والحرفيين.

استندت جماعة الإخوان إلى بيعة جوهرها «السمع والطاعة»، ولست بحاجة إلى تبيان أثر هذا المبدأ فى المصادرة على العقل ككل وحرية الرأى والتفكير، لكن الإنصاف يقتضى أن نشير إلى أن هذا المبدأ لم يكن خاصاً بـ«الإخوان» وحدها، بل مثل ديدن الكثير من التنظيمات السياسية التى ظهرت فى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضى، خصوصاً بعد ترنح حزب الوفد والفكرة الليبرالية عقب قبول النحاس باشا رئاسة الحكومة على أسنة الحراب الإنجليزية (فبراير 1942). فأغلب التنظيمات التى ظهرت فى ذلك الوقت كانت تتحرك وكأنها تملك الحقيقة المطلقة.

الفارق الخطير بين جماعة الإخوان وغيرها من التنظيمات السياسية التى ظهرت فى ذلك الوقت وآمنت بمبدأ السمع والطاعة، أن «الإخوان» بررت ذلك بغطاء دينى، فجعلت من السياسة ديناً، ومن الدين سياسة، والنتيجة هز العقل النقدى المفكر الذى اعتمد الخالق عليه كأداة للإيمان الدينى، وترسيخ العقل التسليمى -باسم الدين- كأداة استخدمتها الجماعة فى السيطرة السياسية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدين والمسيطرون الدين والمسيطرون



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt