توقيت القاهرة المحلي 13:23:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صورة والدي الأخيرة

  مصر اليوم -

صورة والدي الأخيرة

بقلم : عماد الدين حسين

هذه السطور عن أبى رحمه الله، أستأذن القراء الأعزاء فى كتابتها علها تساعدنى على العودة للحياة العادية الطبيعية.
فى تمام الساعة السابعة والثلث من صباح يوم الثلاثاء قبل الماضى، اتصل بى أحد أبناء عمومتى من أسيوط.
وحينما رأيت الرقم، عرفت أنه سيخبرنى بالخبر الأسوأ والذى حاولت أن أهرب كثيرا من إمكانية حدوثه.
قبل سنوات طويلة قرأت مقولة تقول: «الموت فعل يخص الآخرين»، وهى مقولة صحيحة إلى حد كبير، حيث يعتقد الكثير منا أن الموت لن يقترب من قريب أو حبيب له، وحينما يحدث ذلك، نتذكر أن الموت هو الحقيقة المطلقة الوحيدة التى يؤمن بها كل سكان العالم بلا استثناء.
وبالتالى فالعبارة الصحيحة هى أن الموت فعل يخص الجميع، والحياة عبارة عن قطار يركبه الجميع، وكل واحد منا سينزل فى محطة ما، طال الزمن أو قصر.
اتصل قريبى وقال لى البقية فى حياتك.
بكيت كما لم أبك من قبل، وغادرت وزوجتى بسرعة إلى مسقط رأسى فى قرية التمساحية بمركز القوصية بمحافظة أسيوط.
يوم الخميس قبل الماضى ٤ نوفمبر، أصيب والدى بجلطة صعبة فى المخ، حينما كان يتناول الغداء فى البيت، ومن سوء حظه، كما قال لى الأطباء المعالجون إن بعضًا من الأكل نزل على الرئة وحدث ارتجاع، فضاعف من المشكلة، إضافة إلى أنه كان يعانى أصلا من السكر والضغط، وأجرى قبل ثلاثين عاما عملية قلب مفتوح، لأنه كان مدخنا شرها، ومحبا لكل أنواع المأكولات المسبكة التى تتعب القلب وسائر أعضاء الجسم.
الجلطة هى الثانية خلال عامين وأدت إلى توقف مراكز الحركة والكلام والغياب التام عن الوعى. إضافة إلى شكوك أنه ربما أصيب بكورونا.
زرت والدى فى المستشفى الجامعى بأسيوط مع إخوتى، كلمناه كثيرا وهو غائب عن الوعى، لكن إحساسى كان يقول لى إنه يسمعنا، لكنه لا يستطيع الرد.
الأطباء المعالجون وبعضهم أقارب ومعارف، قالوا لى أكثر من مرة وبصورة واضحة لا لبس فيها إن الحالة صعبة جدا وخطيرة وإن نسبة الوعى لا تزيد على ٤ درجات، علما بأنها عند الإنسان السليم تصل إلى ١٥ درجة.
تركت المستشفى وأنا متوقع أن أسمع النبأ المحزن فى أى لحظة، وكلما جاءنى اتصال من أحد إخوتى خصوصا الأصغر بهاء الدين الذى كان بجوار أبى ظننت أنه سيقول لى الخبر المؤلم.
قبل الوفاة بساعات قال لى أحد الأصدقاء فى حفل ختام مهرجان الموسيقى العربية، وكان يعرف أن أبى مصاب بجلطة فى المخ: «سوف أقول لك كلاما قد يصدمك، عليك أن تدعو ربك أن يحسن خاتمة أبيك، وأن يتوفاه عزيزا كما عاش عزيزا».
قلت له وما هى العزة فى الموت؟ فقال أن يموت الإنسان وهو واقف على قدميه، ومن دون أن يتعذب فى المرض ويتعب نفسه ومن حوله، وأن أحد أقاربه أصيب بجلطة مماثلة وظل سنوات طويلة قعيدا وغائبا عن الوعى، وكان أهله يدعون له طوال الوقت أن يشفيه الله شفاء كاملا، أو يتوفاه بسرعة حتى يستريح من العذاب.
غادرت القاهرة ووصلت إلى بيت أبى وأمى وطوال الطريق على الصحراوى الغربى، وكلما اتصل بى أحد الأصدقاء معزيا أنهار باكيا، دخلت البيت وقابلت أمى فبكيت أكثر، مشفقا على حالتها بعد وفاة أبى حيث تزوجا نهاية عام ١٩٥٨.
صلينا العصر، ثم صلينا الجنازة، وبعدها ذهبنا إلى مقابر عائلتنا التى تقع خلف سور الدير المحرق مباشرة.
أصررت على النزول للقبر مع أخى، كى ألقى النظرة الأخيرة على أبى، وساعدت فى وضعه فى القبر بالصورة الصحيحة ثم كشفنا وجهه، والحمد لله أنه كان مرتاحا وهادئا كما رأيته آخر مرة فى المستشفى.
خرجنا من المقبرة وأغلقناه بالطوب، ثم أهلنا علينا التراب، وبدأت أفكر فى هذا المشهد الأخير ودلالاته وعبره ومواعظه، لكن صورة أبى الأخيرة فى القبر لا تزال تلازمنى وسوف تظل كذلك.
وأتمنى أن أعود للموضوع مرة أخرى وأخيرة عن علاقتى بأبى، فربما تكون ذات فائدة لكيفية تعامل الآباء مع أبنائهم.
يرحم الله أبى وجميع أمواتنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صورة والدي الأخيرة صورة والدي الأخيرة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt