توقيت القاهرة المحلي 15:50:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«السادة الأفاضل».. قال كل شيء وكأنه لم يقل أي شيء!

  مصر اليوم -

«السادة الأفاضل» قال كل شيء وكأنه لم يقل أي شيء

بقلم: طارق الشناوي

شاهدت الفيلم على هامش فعاليات مهرجان (الجونة)، الصالة مكتظة، الواقفون بالعشرات فى الطرقات لا يسمحون بمشاهدة الصورة، والصخب أثناء المشاهدة يحول دون سماع الصوت، حرص أصدقاء فريق العمل على الحضور حبًا أو ربما مجاملة، كان ضحكهم الصاخب يسبق حتى انتهاء الممثلين من أداء الحوار، محدثًا شوشرة وتشويهًا، يحول دون مشاركتهم فى الضحك، الفيلم يظلمه هذا النوع من الجمهور، عشت بعد عرض الفيلم فى حيرة، فأنا شاهدته فعليًا، إلا أننى فى الحقيقة لم أشاهده، بحت بانطباعى السلبى للبعض، كنت موقنًا أن من حق القارئ، حتى أصدقه القول، مشاهدة أخرى.

أنا عادة لا أحضر العروض الخاصة التى صارت واحدة من معالم الحياة السينمائية فى مصر، القسط الوافر من الجمهور المنحاز، والأصدقاء بطبعهم متعاطفون، وهؤلاء تحديدًا يصبح دورهم بالنسبة لى إحداث نوع من التشويش، وكأنهم يصنعون الفوضى غير الخلاقة!!.

الانطباع فى المشاهدة الأولى أن هناك تعنتًا دراميًا فى الجمع بين عدد كبير من الشخصيات والحكايات لتصب فى نهاية الأمر داخل حكاية واحدة، القيد الزمنى مفروض مسبقًا على حالة الشريط، مثلما شاهدناه فى فيلم المخرج كريم الشناوى الأخير (ضى)، بعض الممثلين قرروا افتعال الضحك، يدخلون الفيلم وهدفهم سرقة الضحكة قبل سرقة الكاميرا، ظرف المشاهدة السيئ لعب دورًا سلبيًا فى تفاعلى الوجدانى.

بمجرد عودتى من (الجونة) ذهبت للسينما القريبة من منزلى، حتى أمنح الفيلم حقه، ووجدت أمامى بناء دراميًا متكاملا، شارك فيه أكثر من كاتب موهوب، مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش، هذا التلاقح يبرز من خلاله دور المخرج فى إضافة روح واحدة للسيناريو، الفيلم يعبر عن رؤية واحدة هى يقينا معادل موضوعى لروح ورؤية المخرج، الفيلم كان حريصًا على أن يقدم للجمهور الضحكة فى عز الفاجعة، وحطم تمامًا- مع سبق الإصرار والترصد- أى تعاطف وجدانى مع كل شخصياته.

واجه، فى البداية، موت الشخصية المحورية التى تحرك الأحداث الممثل المبدع بيومى فؤاد، بمسكن سريع من خلال الحوار بين الطفل (الحفيد) وبيومى (الجد)، عندما سأله (أنت صحيح رايح تقابل ربنا يا جدى؟)، أجابه بنفس البساطة (عايز منه حاجة؟) طلب منه العيدية، قبل أن يواجه وجه رب كريم، وأضاف الحفيد (اسأل ربنا أيضا عن العيدية)، هذا هو المفتاح، الحفيد هو الوجه الآخر للجد، (جينات) النفعية المادية انتقلت بسلاسة للجيل الثالث من الأسرة.

هذا هو المسكن سريع المفعول، حتى لا تستغرق مع حالة موت البطل، كان ينبغى بعد ذلك اللعب دراميا بجرعة أكبر مع الجمهور وعلى المكشوف، وعلى الفور ألقى المخرج بكل أوراقه على الشاشة، بتلك المعلومة، بيومى بالاتفاق مع دائرة العائلة المقيمة معه قرروا حبك هذه اللعبة حتى يتم دفن (المومياء)، التى استولى عليها فى المقبرة بحيلة أن هذا هو جثمان بيومى، ليتم بعد ذلك بيعه.

وتبدأ رحلة كشف كل الشخصيات، العائلة والأصدقاء وأهل القرية، الكل يخفى جانبًا مظلمًا انتهازيًا، ويطل على الحكاية طبقا لهذه المعادلة المباشرة، السؤال ما هو نصيبى من الصفقة؟، وتتسع الدائرة لنرى «ثلاثى» يشاركون فى البحث عن ثروة جانبية لاستغلال حالة الموت، وهم طه دسوقى وعلى صبحى ووجه جديد ممثل موهوب دفع به المخرج ميشيل ميلاد بشاى، الثلاثى يشاركون فى بعث دماء طازجة، الإيقاع السريع فى كشف الشخصيات بأسلوب الانقلاب الدرامى من النقيض للنقيض، وهكذا شاهدنا أشرف عبد الباقى، الشقيق المخدوع، وهو يكسر حالة الحزن فى لحظات، ينزع بقسوة المفتاح من رقبة بيومى، ليستطيع فتح المقبرة الفرعونية التى شاركه فيها، وتصبح المومياء فى مشهد ساخر هى مجرد (خيال مآتة)، يضعها على صبحى، وهو أكثر الشخصيات التى تم توظيفها جيدا.

استوقفتنى شخصية ثانوية فتاة الليل، مع الأسف لم ألتقط اسمها، قدمت الدور بتلقائية وقدمها فى (الجبس)، إلا أنها تواصل أكل العيش، قال البعض إنها أصيبت فى الواقع فتم تغيير بناء الشخصية على هذا النحو، إلا أننى أعتقد أن سر الضحك هو أنها تمارس الدعارة بتلك الحيلة، كما أنها أيضا تساعد على الهروب من قبضة الرقابة التى صارت تتوجس من مثل هذه الشخصيات، البناء الكاريكاتورى بتوافق مع روح الفيلم، ويكبح الغضب الرقابى.

الذروة تحققت مع تلك النهاية التى كتبت على الشاشة عن مصير الشخصيات، مثلا الزوجة (انتصار) المخدوعة فى بيومى، تتزوج من شاب يصغرها وتعيش حياتها، وبيومى يصاب بغيبوبة، ومن يتم دفنه بدلا منه دمية، بقاء البطل بيومى على قيد الحياة رغم أنه مصاب بغيبوبة أيضا، يؤكد أن كتاب السيناريو والمخرج أمسكوا بمشاعر الجمهور، المتفرج قطعا يدين الشخصية دراميا، إلا أنه لا يعتبر أن الموت عقاب مستحق، الفيلم لعب اجتماعيا على خيط عميق، كل الأطراف، وبينهم قطاع وافر من المشاهدين، بداخلهم رغبة فى تبرئة هذه العائلة، لأنهم مدركون أن فى داخلهم شيئا منهم، فهو يعثرون دائما على مبرر يريحهم مع كل تجاوز أو تنازل أخلاقى، حتى الاتجار فى الآثار مباح وشرعى، وهكذا فلم يكن عقاب الشخصيات هو الهدف لتأكيد رسالة أخلاقية. ونصل إلى ذروة أخرى واستخدام موحى، من ينفذ العدالة هو ابن بيومى غير المعترف به (مبروك)، وأدى دوره باقتدار محمد جمال بقلظ، بإيحاء من اسمه أحد مشتقات البركة يقتل من يستحق، وكل شخصيات أنت كمتلقى لم ترتبط بها عاطفيا، ولا مجال للحزن.

الشريط فى المشاهدة المتأنية تعامل بجدية كاشفا الحقيقة، يبقى الخيط الدرامى الذى شكل نتوءا، وهبوطا فى معدل الضحك، العلاقة بين ناهد السباعى وهنادى مهنا، كان المقصود هو تقديم شخصية نسائية عصرية (هنادى) ومن طبقة أعلى اجتماعيا، لخلق مفارقة، إلا أنها ظلت خارج النص والإحساس.

تعامل كريم الشناوى بإبداع وألق مع الشريط السينمائى، وعبر حاجز النوع، فهو انتقل بسلاسة من أعماله الاجتماعية الجادة فى تناولها، إلى حالة مغايرة، أراها أكثر صعوبة فى كشف إمكانيات المخرج لأن الخطأ فيها قاتل، تعامل فريق العمل بنسبة كبيرة بجدية مع الشخصيات.

الكوميديا لا تعترف أبدا بالحل الوسط، إما نجاح طاغ أو هزيمة نكراء.

(السادة الأفاضل) قال كل شىء، وبإبداع فنى مرر كل شىء، وكأنه لم يقل أى شىء، ويبقى تلك الرسالة السياسية العميقة، كيف بسبب سلوكنا وأفكارنا أحلنا (المومياء) إلى (خيال مآتة)، ضربنا تاريخنا فى مقتل!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«السادة الأفاضل» قال كل شيء وكأنه لم يقل أي شيء «السادة الأفاضل» قال كل شيء وكأنه لم يقل أي شيء



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt