توقيت القاهرة المحلي 17:06:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الداعية و«الترند»

  مصر اليوم -

الداعية و«الترند»

بقلم: طارق الشناوي

في الفيلم المصري «العار» 1983، مشهد شهير يجمع بين نور الشريف ومحمود عبد العزيز، سأل محمود نور: «الحشيش حلال ولا حرام؟»، رد عليه بفهلوة أولاد البلد وسرعة بديهتهم: «إذا كان حلال أدينا بنشربه، وإذا كان حرام أدينا بنحرقه».

هذا هو التلخيص العميق لثقافة شعبية تلمح فيها تبريراً لتعاطي الحشيش. تذكرت هذا الحوار بعد التحقيق مع الداعية الشهيرة وأستاذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر الشريف، وقد قررت الجامعة إيقافها عدة أشهر عن التدريس.

ارتبطت الداعية في السنوات الأخيرة بالكثير من الفتاوى التي أثارت الجدل، وتحولت إلى مادة ساخرة في المتابعات الصحافية وعلى «السوشيال ميديا»؛ فهي تقتحم مساحات فقهية تميل فيها إلى استخدام وسيلة النقل وليس إعمال العقل، مما يجعلها هدفاً لكل من يريد التقاط رد فعل مثير للجدل.

الكثير من تلك الفتاوى، سواء أعلنتها تلك الداعية أو آخرون، صارت تحتل مقدمة «الكادر»، ويتم تناقلها من موقع إلى آخر، مثل نكاح الوداع، وإرضاع الكبير، ومشاهدة الخطيب جسد خطيبته خلسة... وجواز ذلك شرعاً!

مثل هذه الأحاديث تثير شهية العاملين في البرامج للمزيد، وكل منهم ينتظر أن يحصل على «فرقعة»، مهما أعلنوا في برامجهم أنهم فقط يبحثون عن الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، فإنك من السهل أن تكتشف أن الأمر في عمقه لا يتجاوز تحقيق كثافة من المشاهدات.

هناك مثلاً من يشير إلى أغاني المطربين، وكان الشيخ الكفيف كشك في الستينيات والسبعينيات من أكثر المنتقدين لأغنيات أم كلثوم وعبد الحليم، فكان يسخر قائلاً: «عبد الحليم حقق في حياته معجزتين: الأولى أنه (يمسك الهوا بإيديه)، والثانية (يتنفس تحت الماء)!»، وتلك الكلمات تشير إلى مقاطع شهيرة في أغنياته.

الآن مثلاً عندما يسألون أحد الدعاة عن أغنية شادية: «غاب القمر يابن عمي... ياللا روّحني»، يطبقون عليها المعايير الدينية المباشرة قائلين: «إن ابن عمها لا يجوز شرعاً أن يخرج معها حتى منتصف الليل»، متجاهلين أن تلك الكلمات تشكل مقطعاً من «الفولكلور» الشعبي، ولا يجوز أن نقرأها بمعايير دينية مباشرة.

مأزق عدد كبير من الدعاة أنهم يلتزمون فقط بالقراءة المباشرة، مثل أن القرآن لم يحرم نصاً تعاطي الحشيش، في حين التحريم مباشر للخمر.

وتلك المقولة متوفرة بكثرة في الثقافة الشعبية المتداولة، ولا يمكن إنكارها. ومن هنا يأتي دور الإعلام في التوجيه، وتأكيد أن الحشيش، وغيره من المغيّبات، ينطبق عليه نفس قاعدة التحريم. ما تبذله الدولة بأجهزتها الرسمية من الممكن أن تسقطه فتوى أو قراءة خاطئة من أحد الدعاة، له مؤكد من يصدقونه وهم مغمضو العينين.

هل ما تعرضت له الداعية أخيراً يصبح درساً لمن يريد أن يتعلم؟ ما تابعته يشير إلى أن هذا الأمر لن يتوقف. ما ذكرته الداعية رداً على إيقافها عن التدريس، أن هناك إجحافاً، وهناك أيضاً الغيرة والحسد بسبب المكانة التي حققتها في السنوات الأخيرة، وأن الساحة صارت شبه خالية تقريباً من الداعيات، وهو ما تعتبره سبباً كافياً لمحاولة التصيّد، وتوجيه ضربات عشوائية لها من هنا وهناك.

لا أتصور أن الأمر سيتوقف، ما لم تعترف الداعية بأنها دائماً تقدم الفتوى التي تجعل الباب موارباً لأي تفسير شعبوي، فسوف تستمر المأساة كما هي، ويعلو في النهاية «الترند»، ويعلو أيضاً مجدداً صوت هذا الحوار: «إذا كان حلال أدينا بنشربه، وإذا كان حرام أدينا بنحرقه»!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الداعية و«الترند» الداعية و«الترند»



GMT 08:05 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

أضاليل إسرائيل والأضاليل عنها

GMT 07:33 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

في انتظار صافرة البداية ووقف الحروب

GMT 07:29 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

في يوم قائظ

GMT 07:18 2026 الأحد ,31 أيار / مايو

بلير... محاولة لإنقاذ حزب العمال

GMT 05:33 2026 السبت ,30 أيار / مايو

أمريكا وخطايا ترامب

GMT 05:31 2026 السبت ,30 أيار / مايو

قضية المناخ المنسية

GMT 05:29 2026 السبت ,30 أيار / مايو

طاقية الإخفاء ؟!

GMT 05:26 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt