توقيت القاهرة المحلي 05:01:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الداعية و«الترند»

  مصر اليوم -

الداعية و«الترند»

بقلم: طارق الشناوي

في الفيلم المصري «العار» 1983، مشهد شهير يجمع بين نور الشريف ومحمود عبد العزيز، سأل محمود نور: «الحشيش حلال ولا حرام؟»، رد عليه بفهلوة أولاد البلد وسرعة بديهتهم: «إذا كان حلال أدينا بنشربه، وإذا كان حرام أدينا بنحرقه».

هذا هو التلخيص العميق لثقافة شعبية تلمح فيها تبريراً لتعاطي الحشيش. تذكرت هذا الحوار بعد التحقيق مع الداعية الشهيرة وأستاذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر الشريف، وقد قررت الجامعة إيقافها عدة أشهر عن التدريس.

ارتبطت الداعية في السنوات الأخيرة بالكثير من الفتاوى التي أثارت الجدل، وتحولت إلى مادة ساخرة في المتابعات الصحافية وعلى «السوشيال ميديا»؛ فهي تقتحم مساحات فقهية تميل فيها إلى استخدام وسيلة النقل وليس إعمال العقل، مما يجعلها هدفاً لكل من يريد التقاط رد فعل مثير للجدل.

الكثير من تلك الفتاوى، سواء أعلنتها تلك الداعية أو آخرون، صارت تحتل مقدمة «الكادر»، ويتم تناقلها من موقع إلى آخر، مثل نكاح الوداع، وإرضاع الكبير، ومشاهدة الخطيب جسد خطيبته خلسة... وجواز ذلك شرعاً!

مثل هذه الأحاديث تثير شهية العاملين في البرامج للمزيد، وكل منهم ينتظر أن يحصل على «فرقعة»، مهما أعلنوا في برامجهم أنهم فقط يبحثون عن الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، فإنك من السهل أن تكتشف أن الأمر في عمقه لا يتجاوز تحقيق كثافة من المشاهدات.

هناك مثلاً من يشير إلى أغاني المطربين، وكان الشيخ الكفيف كشك في الستينيات والسبعينيات من أكثر المنتقدين لأغنيات أم كلثوم وعبد الحليم، فكان يسخر قائلاً: «عبد الحليم حقق في حياته معجزتين: الأولى أنه (يمسك الهوا بإيديه)، والثانية (يتنفس تحت الماء)!»، وتلك الكلمات تشير إلى مقاطع شهيرة في أغنياته.

الآن مثلاً عندما يسألون أحد الدعاة عن أغنية شادية: «غاب القمر يابن عمي... ياللا روّحني»، يطبقون عليها المعايير الدينية المباشرة قائلين: «إن ابن عمها لا يجوز شرعاً أن يخرج معها حتى منتصف الليل»، متجاهلين أن تلك الكلمات تشكل مقطعاً من «الفولكلور» الشعبي، ولا يجوز أن نقرأها بمعايير دينية مباشرة.

مأزق عدد كبير من الدعاة أنهم يلتزمون فقط بالقراءة المباشرة، مثل أن القرآن لم يحرم نصاً تعاطي الحشيش، في حين التحريم مباشر للخمر.

وتلك المقولة متوفرة بكثرة في الثقافة الشعبية المتداولة، ولا يمكن إنكارها. ومن هنا يأتي دور الإعلام في التوجيه، وتأكيد أن الحشيش، وغيره من المغيّبات، ينطبق عليه نفس قاعدة التحريم. ما تبذله الدولة بأجهزتها الرسمية من الممكن أن تسقطه فتوى أو قراءة خاطئة من أحد الدعاة، له مؤكد من يصدقونه وهم مغمضو العينين.

هل ما تعرضت له الداعية أخيراً يصبح درساً لمن يريد أن يتعلم؟ ما تابعته يشير إلى أن هذا الأمر لن يتوقف. ما ذكرته الداعية رداً على إيقافها عن التدريس، أن هناك إجحافاً، وهناك أيضاً الغيرة والحسد بسبب المكانة التي حققتها في السنوات الأخيرة، وأن الساحة صارت شبه خالية تقريباً من الداعيات، وهو ما تعتبره سبباً كافياً لمحاولة التصيّد، وتوجيه ضربات عشوائية لها من هنا وهناك.

لا أتصور أن الأمر سيتوقف، ما لم تعترف الداعية بأنها دائماً تقدم الفتوى التي تجعل الباب موارباً لأي تفسير شعبوي، فسوف تستمر المأساة كما هي، ويعلو في النهاية «الترند»، ويعلو أيضاً مجدداً صوت هذا الحوار: «إذا كان حلال أدينا بنشربه، وإذا كان حرام أدينا بنحرقه»!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الداعية و«الترند» الداعية و«الترند»



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt