توقيت القاهرة المحلي 06:42:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللهاث وراء الخرافة

  مصر اليوم -

اللهاث وراء الخرافة

بقلم : طارق الشناوي

في مطلع الأربعينات من القرن الماضي، كتب الشاعر والصحافي الكبير كامل الشناوي عن مقامٍ في قريته تم تشييده لمن اعتبروه صاحب «كرامات»، اكتشف الجميع مع مضي الزمن أنه كان هارباً من أحكام قضائية تلاحقه بالسجن، سافر إلى تلك القرية البعيدة عن موطنه، مستغلاً طيبة أهلها الذين بطبعهم يفتحون قلوبهم قبل أبوابهم لمن يستجير بهم، والغريب أنهم بعد أن أيقنوا أنه نصاب محترف، ارتكب العديد من الجرائم، ظلوا متمسكين بالضريح تبركاً به.

في رواية الكاتب الكبير توفيق الحكيم «طريد الفردوس»، التي قُدمت في فيلم لعب بطولته فريد شوقي، شيء من هذا؛ البطل افتتح «كباريه»، ورغم ذلك ظلوا موقنين أنه صاحب «كرامات». الكاتب الكبير يحيى حقي في قصته «قنديل أم هاشم» التي صارت فيلماً، بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد، كانوا يضعون قطرات من زيت القنديل المعلق في المسجد للشفاء من رمد العيون، رغم أنه كان يؤدي للعمى الكامل. الفكرة التي اتكأ عليها يحيى حقي، في قصته، أن الخرافة كانت وستظل تملك القدرة على البقاء، طالما لم نبدأ بمقاومتها من الجذور. إنها المعركة الحقيقية التي يجب علينا أن نخوضها وعلى كل الأصعدة.

داخل قطاع من البشر رغبة لا شعورية في تصديق الخرافات، فهي لا تتطلب مجهوداً عقلياً أو نفسياً، يكفي فقط الاستسلام لها، زادت معدلاتها في السنوات الأخيرة؛ بسبب كسل قطاع لا يستهان به من البشر، يستسلمون لمنح عقولهم إجازة طويلة.

تابعت الكثير مما كتب أو قيل في العديد من الوسائط الإعلامية، قبل وبعد رحيل دكتور ضياء العوضي؛ الرحيل لم يكتب الفصل الأخير من تلك الحكاية، بل أراه إنذاراً مباشراً لنا جميعاً يقول بصوت عالٍ لا يمكن أن تخطئه الأذن، «هناك في العمق يكمن المرض»، الإعلام لعب دوراً لا يستهان به في تهيئة المناخ، وشاهدنا عدداً من المشاهير، من فنانين وإعلاميين، وهم يؤكدون تلك التي وصفوها بالكرامات أو ما شابه، التي ساعدتهم على التخلص من أمراضهم المزمنة، لمجرد أنهم اتبعوا تلك الوصفات، التي تخاصم في جزء كبير منها العالم المستقر عليه منذ عقود. مثلاً كثرة شرب الماء هو ما ينصح به أغلب الأطباء لما له من فوائد لا تعد ولا تحصى، صار في القانون الجديد تكفي رشفة واحدة لسد الرمق، كما أن احتياج الإنسان للنوم في المتوسط 8 ساعات يومياً، صار في القانون الجديد يكفي فقط ساعتين.

تدخين السجائر، مرحب به؛ هل كل هذه التحذيرات التي أجبرت شركات السجائر على أن تضع تلك التحذيرات لا ضرورة لها؟ ولو كان في الأمر صفقة مالية، أما كان من الأجدى أن تصبح الحكاية عكسية؟! كل المنظمات الرسمية والأهلية، التي تدعو لمكافحة التدخين تحصل على مقابل مادي من أجل أن تكف عن إثارة رعب الناس، وتقديم رسالة لتحفيز الناس على التدخين، باعتباره يزيد من قوة مناعة الإنسان على مقاومة الأمراض، معتبرة أن زيادة معدل «النيكوتين» هو الحل الأمثل.

الإعلام لعب دوراً كارثياً في الدعوة للعديد من القيم السلبية التي ندفع جميعاً ثمنها، ولا أتصور أن الحكاية تنتهي مع رحيل صاحب الدعوة، يجب أن نبدأ في البحث عن إجابة لهذا السؤال، لماذا صرنا نصدق أي شيء، لا نكتفي فقط برفض الحقيقة، ولكن إلغاءها أساساً من القاموس، وكأنه لا توجد في حياتنا حقائق مستقرة، أقرها قبل عقود العلم، وصدقتها التجارب المعملية والبشرية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللهاث وراء الخرافة اللهاث وراء الخرافة



GMT 06:14 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأدلة العلمية مزعجة لمدمن الخرافة

GMT 06:12 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

على أمل أن نكون بخير فعلًا العام القادم

GMT 06:11 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

عراق ما بعد صدام

GMT 06:09 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

سيناء

GMT 06:07 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

بغداد كانت البداية

GMT 06:06 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الغزو البرى ممنوع

GMT 06:04 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأهلى والزمالك !

GMT 05:45 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

إيران بين المعرفة والانحياز المسبق

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 02:35 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

شرق أوسط جديد “مشوّه”!

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:58 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

دعاء سماع الأذان والأذكار المستحبة

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 15:33 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تقنية جديدة لمساعدة الروبوتات على التكيف مع البيئة المحيطة

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 01:17 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرات الأسهم الأميركية تبدأ تداولاتها على ارتفاع

GMT 21:15 2021 الخميس ,15 تموز / يوليو

حسين الجسمي يطرح "حته من قلبي" على "يوتيوب"

GMT 11:08 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

البنك المركزي المصري يطرح أذون خزانة بقيمة 15 مليار جنيه

GMT 02:03 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

سلالة كورونا الجديدة تعيد أسعار النفط إلى ما قبل 6 أشهر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt