توقيت القاهرة المحلي 09:14:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية؟

  مصر اليوم -

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية

بقلم :ناصيف حتّي*

في الثامن والعشرين من هذا الشهر تكون قد مرت عقود ثلاثة على ولادة الشراكة الأورو-متوسطية التي تعرف بـ«مسار برشلونة» (نسبة لمكان الولادة)، التي ضمت دول الاتحاد الأوروبي ودول الجوار المتوسطي. وللتذكير فمن الأمور التي ساهمت في ولادة هذا المسار انطلاق عملية السلام في مدريد نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 1991، الأمر الذي أوجد زخماً حول إمكانية الذهاب إلى السلام الشامل والدائم والعادل على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وحل الدولتين. ولكن سرعان ما تبخر ذلك الزخم مع السياسات الإسرائيلية غداة «مدريد» الرافضة للسلام على أساس ما أشرنا إليه من قرارات ومبادئ. «السلال الثلاث» للتعاون والتشاور، التي تشمل: السياسي والأمني، الاقتصادي والمالي، والثقافي، لم تشهد ما كان منتظراً منها لأسباب عديدة من صراع وتنافس المصالح، ولكن أهم تلك الأسباب التي كانت بمثابة عثرة كبيرة تمثلت فيما أشرنا إليه بشأن السياسات الإسرائيلية والموقف العربي منها في إطار «مسار برشلونة».

بعض الدروس المستفادة من تعثر برشلونة لم تكن بعيدة عن مهندسي تطوير الشراكة الأورو-متوسطية والإعلان في قمة باريس في يوليو (تموز) 2008 عن ولادة «الاتحاد من أجل المتوسط» وريث عملية برشلونة. توسيع العضوية كان من أهم التغييرات التي حصلت بعد برشلونة، ولكن الارتكاز تبلور عملياً بشكل خاص أيضاً فيما يعرف «بالهندسة المتغيرة» كآلية عملية واقعية في التعاون. المقاربة التي تقوم على التعاون الفعلي، ليس بين الكل بالضرورة، بل بين دول معينة في مجال معين يحظى بأولوية عندها، فيما يتقاطع بعضها بالتعاون الفعلي مع دول أخرى أعضاء في مجالات أخرى، ما يسقط فيتو مشاركة الكل، أو اللاأحد. السرعات المتعددة أيضاً هي إحدى آليات إنجاح التعاون من دون ربطه بسرعة الطرف أو الأطراف البطيئة أو المتباطئة لأسباب تتعلق بمصالحها. لكن بالطبع تبقى الفاعلية أسيرة للإمكانات والقدرات الموظفة في هذا النشاط أو ذاك أو لاستمرار الالتزام والانخراط في نشاط أو مشروع معين قد يتراجع لأسباب عديدة عن موقعه المتقدم في لحظة معينة على جدول أولويات مختلف الأطراف المعنية. حظيت قضايا البيئة والتغيير المناخي بموقع متقدم على لائحة الأولويات بسبب تداعياتها الخطيرة إذا لم تعالج بفاعلية، على المصالح الوطنية في أوجهها المتعددة للدول المعنية.

خلاصة الأمر أن تجارب الأمس لم تكن بمستوى التحديات والتطلعات لمواجهة هذه التحديات بنجاح وفاعلية، ولكنها ساهمت، ولو بدرجات متواضعة كما يقول البعض، في احتواء أو تخفيف العديد من المشاكل التي كانت ستواجهها الدول المعنية لو لم يتم التعاون في التعامل معها. وغني عن القول أن التحديات الأوروبية وفي طليعتها الحرب الأوكرانية والأزمات الاقتصادية في القارة القديمة وتراجع الاهتمام بالتعاون في عملية البناء الأوروبي كانت من العناصر الأساسية التي أثرت سلباً في هذا المجال.

على صعيد جنوب المتوسط في عمقه العربي ساهمت مختلف أنواع الحروب بأشكالها المختلفة والنزاعات المستمرة في زيادة التحديات التي تواجهها هذه الدول وفي افتقاد القدرة أو الرغبة عند البعض والارتباك، أو تغير الأولويات العملية أيضاً عند البعض الآخر في التأكيد على أهمية التعاون القائم على تكامل أو تماثل المصالح لمعالجة هذه الأزمات.

«الميثاق الجديد للمتوسط» الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي بعد مشاورات عديدة ومتنوعة مع شركائه في جنوب المتوسط سيشكل العنوان الجديد للتعاون في مرحلة زادت فيها التحديات المتنوعة في طبيعتها ومسبباتها بجنوب المتوسط. كما زادت فيها الفرص لبناء شراكات عملية فاعلة وفعالة. تشهد على ذلك بشكل خاص الأولوية في التعاون الأوروبي الناشط والمتعدد الأهداف مع دول الخليج العربية. من المؤشرات الدالة على الاستراتيجية الأوروبية الجديدة تجاه المنطقة إنشاء المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج. مهام هذه المديرية العامة ستشمل التعاون الاقتصادي، وأمن الطاقة، والهجرة غير النظامية، ومحاربة الإرهاب، والأمن الإقليمي، وإدارة التنافس مع القوى الدولية. باختصار نشهد في لحظة يعيش فيها الاتحاد الأوروبي تحديات استراتيجية توثر على دوره وإمكاناته ومكانته على الصعيدين الإقليمي والدولي، محاولة أوروبية لبلورة استراتيجية شاملة الأبعاد؛ استراتيجية تقوم على بلورة مقاربة جديدة تجاه الجوار القريب الذي أشرنا إليه.

نعيش في محيط تحكمه متغيرات كبيرة، ولكنه أيضاً يحمل فرصاً عديدة لتعاون شامل يقوم على توازن وتكامل المصالح، وذلك ضمن صيغ وهندسات وسرعات مختلفة. كلها تعزز الأمن والاستقرار والازدهار لجميع الأطراف المعنية رغم التحديات القائمة والمتزايدة. فالتعاون الفعلي لم يعد هدية أو منّة من طرف لآخر، بل صار ضرورة للجميع ولو اختلفت الأولويات بين مسألة وأخرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ
  مصر اليوم - سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt