توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين جدّية الرياضة... وعبثية السياسة

  مصر اليوم -

بين جدّية الرياضة وعبثية السياسة

إياد أبو شقرا
بقلم - إياد أبو شقرا

مفارقة ما بعدها مفارقة أن تصبحَ جرعاتُ السياسةِ الحقيقية في ميادين الرياضة ومضاميرِها... أكبرَ بكثير مما هي في عالم السياسة الرسمية.

صحيحٌ أنَّ أيَّ شكل من أشكال التنافس لا بدَّ أن يُنتج فرزاً وميولاً، وهذه في حالات عديدة تنقلب إلى تآمر وعنف.

وحتى إذا عزفنا عن الخوض في تاريخ الحضارات القديمة التي أنتجت «فلسفة» الرياضة التي نعرفها اليوم - ومنها الألعاب الأوليمبية في اليونان - فإننا نرى دائماً نماذج تشهد على التلازم الوثيق بين السياسة والرياضة... كالأعلام والأناشيد الوطنية، على الرغم من نفاق المسؤولين الرياضيين في هذا المجال.

كثيرون منّا قرأوا عن دورة ألعاب برلين الأولمبية في صيف عام 1936، إبّان صعود النازية.

تلك الألعاب افتتحها أدولف هتلر، زعيم ألمانيا النازية، وكان يحلم بأن تعطي العالم فكرة استثنائية عن عظمة ألمانيا وتفوّق العرق الآري. وبالفعل تأثّر بعض الشباب المشاركين والمتابعين بالتجربة والتنظيم والمَرافق، فاستنسخوا في بلدانهم نسخاً مشابهة، مع أن النتائج في الميادين والمضامير لم تأت كلها كما اشتهى هتلر.

وبعد غزو القوات السوفياتية أفغانستان عام 1979، خلال العد العكسي لحقبة «الحرب الباردة»، قادت الولايات المتحدة إبان عهد الرئيس جيمي كارتر حملة لمقاطعة «أولمبياد موسكو» المُبرمَج في العام التالي 1980. ولقد نجحت تلك الحملة جزئياً؛ إذ قاطع عدد كبير من الدول ذلك الأولمبياد، ورفض عدد آخر المقاطعة، بينما تركت دول أخرى أمر التعامل مع القرار للجانها الأولمبية ورياضييها.

غير أنَّ هذا «النصر» الأميركي لم يمرّ مرور الكرام؛ إذ ردّت عليه موسكو بعد أربع سنوات، في صيف 1984، عندما قادت حملة لمقاطعة «أولمبياد لوس أنجليس». وفي حينه، انضمت 13 دولة من حلفاء موسكو للمقاطعة، بجانب الاتحاد السوفياتي. وهكذا، بعد هاتين المناسبتين، خفتت كثيراً أصوات «السذاجة الطوباوية» الداعية لفصل السياسة عن الرياضة. وهنا لا بد من التذكير بأننا عشنا أيضاً لعقود موضوع المقاطعة العربية لإسرائيل، والمقاطعة «الأفرو - آسيوية» - ثم دولياً - لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والمقاطعة الدولية لتايوان بعد الاعتراف الأميركي بالصين الشعبية.

أما على صعيد كرة القدم، التي نعيش ارتفاع «حرارتها» اليوم، فلعل أبرزها «فضيحة خيخون» إبان «نهائيات كأس العالم 1982».

يومذاك، تآمر منتخبا ألمانيا والنمسا ضد منتخب الجزائر، فلعبا «مباراة - مسرحية» في دور المجموعات أتاحت للمنتخبين التقدّم معاً... وخروج المنتخب الجزائري. وعلى الأثر، دفعت هذا الممارسة اللا أخلاقية «الاتحاد الدولي لكرة القدم» (فيفا) إلى اعتماد إجراء مباراتي الجولة الثالثة لدور المجموعات في توقيت واحد منعاً للتلاعب.

وقبلها، في أميركا الوسطى، اندلعت حرب بسبب النزاعات المتراكمة بين «الجارتين» السلفادور وهندوراس، عام 1969، إبّان مواجهتهما في تصفيات «كأس العالم 1970»... قبل تمكّن الوسطاء من إنهائها خلال بضعة أسابيع.

اليوم، ثمة انقسامات حادة ذات خلفيات سياسية في نهائيات كأس العالم الحالية في أميركا الشمالية. وأصلاً، كان واضحاً أن لا انسجام على الصعيد السياسي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقيادتي المكسيك وكندا، وهما الدولتان اللتان تتقاسمان تنظيم النهائيات مع الولايات المتحدة. ثم إنَّ مواقف واشنطن المتشدّدة ضد الهجرة والمهاجرين انعكست تضييقاً على دخول الزائرين، بل وبعض أطقم التحكيم وذوي اللاعبين من دول معيّنة.

الشعارات المرفوعة في المدرّجات تشهد بأن المناخ العام أبعد ما يكون عن الانفتاح والألفة. وطبعاً، ثمة ما هو أسوأ، سواءً لجهة سوء التحكيم والتحامل ضد منتخبات بعينها، أو الضغوط الرسمية من هنا وهناك لتغيير النتائج، وتسهيل مرور منتخبات «مرضيّ عنها» مقابل التشدّد في عرقلة تقدم منتخبات أخرى.

منع دخول حكم صومالي دولي الأراضي الأميركية كان أول الغيث، لكن هذه الواقعة سرعان ما توارت خجلاً بعد طلب البيت الأبيض من «الفيفا» تعليق المنع التلقائي للاعب الأميركي فولارين بالوغون من اللعب، بسبب طرده من المباراة السابقة بـ«بطاقة حمراء».

ولم يطل الوقت حتى انتشرت تقارير عن مُحاباة واضحة للمنتخب الأرجنتيني عزّزها لاحقاً التحكيم السيئ في مباراته مع منتخب مصر... وصولاً إلى ادعاء وجود «خوارزميات» لتسهيل تقدّمه بعيداً عن مواجهة منتخبات قوية.

وبديهي في هذا السياق، أنه بعد إهداء جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا»، الرئيس ترمب «جائزة السلام»، ثم قبول «الفيفا» بسحب «البطاقة الحمراء» ضد بالوغون، ارتفع مستوى الاستقطاب... وأحياناً العداء المكشوف!

في المقابل، بينما ترتفع الأعلام والشعارات والسياسية في ملاعب أميركا الشمالية، تتحوّل السياسة الحقيقية في أماكن أخرى إلى «لعبة»!

من غرب أوروبا إلى «قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)» التي استضافتها تركيا أخيراً، ومن توتّرات مضيق هرمز ومآسي شرقي المتوسط إلى التأثير الإسرائيلي المتزايد على القرار السياسي الأميركي، تفقد القراءات - وأيضاً الممارسات - السياسية الكثير من جدّيتها.

بريطانيا، «أم الديمقراطية الغربية»، تستقبل قريباً سابع رئيس حكومة لها خلال عشر سنوات (!). وأمين عام «ناتو» يصمت ويبتسم بينما يهاجم الرئيس ترمب، أمامه، إسبانيا العضو في «ناتو».

الحليف قبل الخصم يقف الآن محتاراً ومرتبكاً أمام سياسات تبدو مناقضة لما هو مقصود منها.

خطوط الفصل بين الحقيقة والتحريض تكاد تختفي، مقابل تزايد المناورات والمراوغات المُقلقة... وسط مخاوف حقيقية من انزلاقات غير مقصودة نحو الهاوية.

باختصار، لا تعود صورة المستقبل واضحة، عندما يستقل الكلّ - تقريباً - طائرة يقودها طيار آلي، وتعبث بها رياح مصالح عاتية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين جدّية الرياضة وعبثية السياسة بين جدّية الرياضة وعبثية السياسة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt